تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

ومن ناحية ثانية لو أن شاعراً لمح ابنة الخليفة أو رآها فهامَ بها، وأخذ ينظم الشعر بها، ويسبح في خياله بلقاءات معها، وهي لا تدري، فهل نحكم من خلال شعره بعد زمن على أخلاقها ونتّهمها بالسوء وأنه كانت لقاءات بينهما وأنها كانت تبادله العواطف نفسها، وتسعى على الاجتماع به، وتحبك الحيل في ذلك؟ وأن الاجتماعات كانت تتمّ ليلاً في غرفة دار الخلافة، أو في الحرم حيث يستحيل ذلك. أقول يستحيل لأن الحرم مكان مقدّس لا يُسمح بأن يحدث فيه مثل هذا في أكثر الأوقات تحرُّراً من القيم الدينية، وربما قُتل من حاول العبث فيه بأيدي من فيه من الحجاج والمعتمرين، وهو لا يخلو في وقت من الأوقات من أعداد كثيرة من المسلمين يؤدُّون فيه بعض المناسك سواء أكان ذلك في الموسم أم في غيره، وإن كان في الموسم أكثر بكثير، فما بالك في عصر الإسلام حيث كانت الحماسة للعقيدة أكثر، والتقيُّد بقيم الإسلام واحترام الآداب أكبر.

وهذا شأن عمر بن أبي ربيعة المخزومي الذي حُكِمَ على المجتمع الإسلامي من خلال شعره الذي لم يتعدَّ أن يكون شعراً خيالياً نسَجَهُ في خياله ونظَمَه شِعراً، ووُجِد بعد وفاته، وربّما اطلع عليه في حياته بعض خلاّنه فشاع الشعر وانتشر، وحكموا على صحّة ما جاء فيه على الرغم من أن أبسط العقول تتنبّه إلى أنه خيال لم يتعدّ ذلك، ولكن المغرضين يريدون غير ذلك، يريدون التهديم والطعن في الحكم القائم يومذاك وتصويره أنه بعيد عن الإسلام كل البعد، وبعدها يريدون الطعن في الإسلام على أنه غير صالح للحكم إذ لم تلبث أن انهارت دعائمه، وابتعد أهله عن المثاليات التي جاء بها، واتجه الناس أول ما اتجهوا إلى اللهو والعبث في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مكة المكرمة، بل وفي الحرم أكثر الأماكن قدسيَّةً.

ومما يظهر أن الأمر خيالي تماماً:

1 - ما جاء في ديوان عمر بن أبي ربيعة نفسه أثناء الكلام عن مناسبة نظم بعض القصائد، فقد ورد أن ابن أبي عتيق قد وصف لعمر بن أبي ربيعة عقلَ ابنة عمه زينب بنت موسى الجمحية وأدبها وجمالها فشُغِفَ بها وفُتِنَ دون أن يراها، ونظم فيها القصائد الطوال.

2 - إن اللواتي ذكرهن في شعره هن كل السيّدات المعروفات في مجتمعه، ومن أشهرهن: سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله التي أمها أمّ كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وسعدى بنت عبد الرحمن بن عوف، ولُبابة بنت عبد الله بن العباس، وفاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوجة عمر بن عبد العزيز، ورملة بنت مروان بن الحكم، وأم محمد بنت مروان بن الحكم، وفاطمة بنت محمد بن الأشعث، سكينة بنت خالد بن مصعب، كلثُم بنت سعد المخزومية، الثريا بنت عبد الله بن الحارث ابن أمية الأصغر، وهي زوج سهيل بن عبد العزيز بن مروان، ونُعَم الجمحية، ورملة بنت عبد الله بن خلف الخزاعية، وزينب بنت موسى الجمحية. فهل كان على صلة بهن كلهن؟ ويعني إن كان ذلك أن المجتمع كله عابث فاسد، وقد زال كل أثر للإيمان منه، وهذا ما يريد أن يتوصل إليه أعداء الإسلام لذلك يروّجون هذا الشعر ويؤكّدون عليه. وما هو في الواقع إلا شيطان شاعرٍ يسبح في الخيال.

3 - كان بعض من ذكرهن بعيدات عنه كلّ البعد، وربما بعضهن من لم يرهنّ في حياته، فقد كانت سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة تعيشان في العراق مع زوجهما مصعب بن الزبير، وكانت فاطمة بنت مروان تعيش في مصر والشام، وكانت أم محمد بنت مروان تعيش في مصر، وربما سمع عن إحداهن فنظم الشعر بها- كما قلنا-.

4 - مجيء أخت الخليفة عبد الملك بن مروان إلى الموسم وحدها، وهي رملة، لتلتقي بعمر بن أبي ربيعة. متى كانت الأعراف تسمح أن تسير أخت الخليفة وحدها؟ ومتى كان يحدث هذا؟

متى وجِدت امرأة في تاريخ البشرية تنطلق من دمشق إلى مكة وحدها، تنطلق مسافة ألفي كيلومتر في الفيافي والقفار؟

ومن المعلوم أن المرأة المسلمة لا يصحّ أن تحجّ دون محرِم، ووجود المُحرِم شرط أساسي للحجّ أو العمرة، ويُعدّ عدم وجوده عدم استطاعة الحج، وتعتَبر المرأة غير مكلَّفة بأداء الفريضة حينذاك.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير