تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وامتياز الرافعي بقلبه هو سرّ البيان فيما تداوله من معاني الشعر والأدب وهو سرّ حفاوته بالخواطر ومذاهب الآراء وسرّ إحسانه في مهنتها وتدبيرها وسياستها كما يحسن أحدهم مهنة المال وربّه والقيام عليه وهو سرّ علوّه على من ينخشّ في الأدب كالعظمة الجاسية تنشب في حلق متعاطيه لا يبقي عليه من هوادة ولا رفق وبخاصة حين يكون هذا الناشب ممّن تسامى على حين غفلة يوم مرج أمر الناس واختلط أو كان مرهّقا في إيمانه متّهما في دينه إذ كان الإيمان في قلب الرافعي دما يجري في دمه ونورا يضيء له في مجاهل الفكر والعاطفة ويسنّى له ما أعسر إذا تعاندت الآراء واختلفت وتعارضت وأكذب بعضها بعضا.

هذا وقد أرخيت للقول حتّى بلغ وكنت حقيقا أن أغور إلى سرّ البيان واعتلاقه من العاطفة والهوى في قول الشّاعر والكاتب والأديب لأسدد الرأي إلى مرماه وقد يطول ذلك حتى لا تكفي له فاتحة كتاب أو كتاب مفرد فإنّ البيان هو سرّ النفس الشاعرة مكفوفا وراء لفظ وما كان ذلك سبيله لا يتأتّى إلاّ بالتفصيل والتّمييز والشرح ولا تغني فيه جملة القول شيئا من غناء. وحقيق بمن يقرأ هذا الكتاب أن يعود إلى كتب الرّافعي بالمراجعة فيستنبئها التفصيل والشّرح وبذلك يقع على مادة تمدّه في دراسة فنون الأسلوب وكيف يتوجّه بفن الكاتب وكيف يتصرّف فيه الكاتب بحسّ من قلبه لا يخطيء أن يجعل المعنى واللفظ سابقين إلى غرض متواطئين على معنى لا يجوران فيجاوزانه أو يقعان دونه.

رحمة الله عليه لقد شارك الأوائل عقولهم بفكره ونزع إليهم بحنينه وفلج أهل عصره بالبيان حين استعجمت قلوبهم وارتضخت عربيّتهم لكنة غير عربيّة ثمّ صار إلى أن أصبح ميراثا نتوارثه وأدبا نتدارسه وحنانا نأوي إليه.

رحمة الله عليه ..

محمود محمد شاكر

(1) – هذه هي فاتحة كتاب (حياة الرافعي) لمحمد سعيد العريان رحمه الله

(2) – كذلك كانت كنيته واسم ابنه البكر: محمود سامي الرافعي وإنّما سمّاه كذلك تشبيها له باسم الشاعر محمود سامي البارودي وإليه كان ينظر في صدر أيامه.

كلمة وكليمة تأليف محمد صادق الرافعي بعناية بسّام عبد الوهاب الجابي طبعة دار ابن حزم عن الجفان والجابي للطباعة والنشر ص 173 وما بعدها نسخه على الجهاز أخوكم العاصمي من الجزائر يوم الجمعة بين صلاة العصر والمغرب

ـ[العاصمي الجزائري]ــــــــ[09 - 03 - 10, 04:33 م]ـ

الرافعي

وهذه إضافة من نفس الكتاب ..

للأستاذ محمود محمد شاكر

رحمة الله عليك رحمة الله عليك

رحمة الله لقلب حزين وكبد مصدوعة

لم أفقدك أيّها الحبيب، ولكنّي فقدت قلبي.

كنت لي أملا أستمسك به كلّما تقطّعت آمالي في الحياة.

كنت راحة قلبي كلّما اضطرب القلب في العناء.

كنت الينبوع الرّويّ كلّما ظميء القلب وأحرقه الصدى.

كنت فجرا يتبلّج نوره في قلبي وتتنفّس نسماته فوجدت قلبي .. إذ وجدت علاقتي بك.

لم أفقدك أيّها الحبيب ولكنّي فقدت قلبي.

جزعي عليك يمسك لساني أن يقول، ويرسل دمعي

ليتكلّم. والأحزان تجد الدّمع الذي تذوب فيه لتهون وتضّاءل،

ولكنّ أحزاني عليك تجد الدّمع تروى منه لتنمو وتنتشر.

ليس في قلبي مكان لم يرف عليه حبّي لك وهواي

فيك فليس في القلب مكان لم يحرقه حزني فيك وجزعي

عليك.

هذه دموعي تترجم عن أحزان قلبي،

ولكنّها دموع لا تحسن تتكلّم.

عشت بنفس مجدبة قد انصرف عنها الخصب، ثم رحم الله نفسي بزهرتين ترفّان نضرة ورواء.

كنت أجد في أنفاسهما ثروة الروضة الممرغة فلا أحسّ فقر الجدب.

أمّا إحداهما فقد قطفتها حقيقة الحياة،

وأمّا الأخرى فانتزعتها حقيقة الموت،

وبقيت نفسي مجدبة تستشعر ذلّ الفقر.

تحت الثرى .. عليك رحمة الله التي وسعت كلّ شيء،

وفوق الثرى .. عليّ أحزان قلبي قلبي التي ضاقت بكلّ شيء؛

تحت الثرى تتجدّد عليك أفراح الجنّة؛

وفوق الثّرى تتقادم عليّ أحزان الأرض ..

تحت الثّرى تتراءى لروحك كلّ حقائق الخلود.

وفوق الثّرى تتحقق في قلبي كلّ معاني الموت.

لم أفقدك أيّها الحبيب ولكنّي فقدت قلبي.

حضر أجلك. فحضرتني همومي وآلامي.

فبين ضلوعي مأتم قد اجتمعت فيه أحزاني للبكاء؛

وفي روحي جنازة قد تهيّأت لتسير؛

وعواطفي تشيّع الميت الحبيب مطرقة صامتة؛

والجنازة كلّها في دمي – في طريقها إلى القبر.

وفي القلب .... في القلب تحفر القبور العزيزة التي لا تنسى.

وفي القلب يجد الحبيب روح الحياة وقد فرغ من الحياة.

وت جد الروح أحبابها وقد نأى جثمانها.

في قلبي تجد الملائكة مكانا طهّرته الأحزان من رجس اللّذات.

وتجد أجنحتها الرّوح اّلذي تهفهف عليه وتتحفّى به.

هنا .. في القلب، تتنزّل رحمة الله على أحبابي وأحزاني.

ففي القلب تعيش الأرواح الحبيبة الخالدة التي لا تفنى.

وفي القلب تحفر القبور العزيزة التي لا تنسى.

لم تبق لي بعدك أيّها الحبيب إلاّ الشّوق إلى لقائك.

فقدتك وحدي إذ فقدك النّاس جميعا.

سما بك فرحك بالله، وقعدت بي أحزاني عليك.

لقدت وجدت الأنس في جوار ربّك، فوجدت الوحشة في جوار النّاس.

لم أفقدك أيّها الحبيب ولكنّي فقدت قلبي.

لم تبق لي بعدك إلاّ الشّوق إلى لقائك.

رحمة الله عليك، رحمة الله عليك.

محمود محمد شاكر

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير