تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

كاتب مثل جان سيرفييه

( J.Servier)

يكتب كتابه المثير عن (الخطر العربي)، وعن النخب الجزائرية والتونسية والمصرية، بينما يكتب فيها أحد النخبة الجزائرية وهو الشريف بن حبيلس كتابه غير المثير (الجزائر الفرنسية كما يراها الأهالي).

إنّها مرحلة الإعلام المثور للرأي العام، على كلا الضفتين من البحر الأبيض المتوسط إذ ظهر خلالها أيضا كتاب إسماعيل حامد (مسلمو شمال إفريقيا) وكتاب إرنيست ميرسييه

( E.Mercier)

عن المرأة المسلمة، وكانت الجزائر تستقبل الشيخ محمّد عبده ومجلّة المنار ومحمّد فريد زعيم الحزب الوطني المصري، وعبد العزيز جاويش الإعلامي البارز، والشيخ محمّد الخضر حسين صاحب مجلّة السعادة العظمى، ومؤتمر المستشرقين الدولي الرابع عشر، كما كانت البلاد تشهد حركة احتجاج وهجرة بمناسبة جعل التجنيد العسكري إجباريا على الشباب الجزائري. إنّ هذه التطوّرات كلها كانت تجري في الجزائر قبل أن يغادرها عبد الحميد ابن باديس إلى تونس لمواصلة دراسته في جامع الزيتونة، إن وعيه بأهمية التطورات في الجزائر قد بدأ قبل ذهابه إلى تونس التي نزلها وهو في حدود التاسعة عشرة من عمره.

ولكن نضج تجربة ابن باديس قد حدث في تونس، ولا داعي هنا لذكر عوامل هذا النضج، فالتجربة الإنسانية لشاب موهوب مثل عبد الحميد بن باديس ذات أبعاد عديدة، فهناك تجربته مع شيوحه الذين لم يتأثر بهم جميعا على حدّ سواء. ويبدوا أنه تأثر بالشيخ محمّد النخلي بدرجة كبيرة، وكان النخلي من مدرسة الشيخ محمد عبده ومن المعجبين بمجلّة المنار. وكانت النخب التونسية في أوج نشاطها الوطني والأدبي، فقد كان شعارها (تونس للتونسيين) بينما كان شعار النخبة الجزائرية (المساواة بالفرنسيين). ومن ثمة واجهت النخبة التونسية تحدّيات خطيرة. فنفت فرنسا علي باشا حانبة وهاجر محمد الخضر حسين وعبد العزيز الثعالبي وصالح الشريف وإسماعيل الصفائحي وغيرهم متوجهين إلى المشرق، وهؤلاء هم الذين سيؤلفون قوة ناطقة باسم استقلال تونس والجزائر خلال الحرب العالمية الأولى ونحن لا نستغرب أن يبادر ابن باديس على إثر انتهائه من الدراسة في تونس، ترسم خطى هؤلاء الزعماء (رغم حداثة سنه) فيتوجه أيضا إلى المشرق باسم الحج (وهو ربما تعلة فقط كما فعل غيره من الجزائريين وربما بقصد الهجرة). ولكن عوامل أخرى (منها نصيحة شيخه الهندي نزيل المدينة) جعلته يقفل راجعا إلى مسقط رأسه ليبدأ مشروعا برأسين من أجل تحرير الجزائر: الأول نشر التعليم العربي في شكل تسمح به ظروف الحرب الإستثنائية، والثاني إنشاء مؤسسة إعلامية للتوعية والتثقيف لا تسمح بها ظروف الحرب التي جمدت كلّ الأنشطة الإعلامية السابقة. أما تجربة التعليم فقد سارت سيرها وأثمرت ثمرها وفق أسلوب مخطط ومنهج محدد. وأمّا تجربة الإعلام فتحتاج إلى وقفة قصيرة.

آمن عبد الحميد بن باديس بدور الإعلام في نشر الوعي الوطني وإحياء التراث وتثبيت الهوية ومصارعة الخصوم. وسواء كان ذلك تقليد لمسيرة جدّيه المكي وحميدة (وهو ما نرجّحه)، أو كان بدافع الظروف التي عاشتها الجزائر وتونس والمشرق، فإنّ إنشاءه لمؤسسة إعلامية يعتبر في حدّ ذاته تعبيرا واعيا عن طموحاته وإيمانه بقيمة هذه الوسيلة الفعالة لخدمة القضية الوطنية من جهة وعن استعداده لمصارعة الإدارة الفرنسية والخصوم بنفس الوسيلة التي يتقنونها.

فقبل أن بدأ ابن باديس في إصدار (الشهاب) أسّس المطبعة الإسلامية الجزائرية، وهي التسمية التي تعبّر في حدّ ذاتها عن برنامج له أبعاد، وسواء أسّسها بمال الأسرة (وهي غنية) أو بتبرعات الفئة الواعية فإن المطبعة كانت ضرورية لإصدار الصحف التي كان ينوي إصدارها. وقد ثبت من تجربة زميله الطيب العقبي مع جريدته (الإصلاح) أن جريدة ليس لها مطبعة خاصة بها تتعرض لمضايقات وعراقيل شتّى. عندما أصدر ابن باديس جريدة (المنتقد) لم تعاني من نقص في المال ولا من عراقيل مطبعية، وإنما عانت من قرار الإدارة التي أوقفتها عن الصدور لحدّة لهجتها ولذاعة نقدها. وقد عوضهنا ابن باديس بالشهاب في شكل جريدة ثم في شكل مجلة جعل لها شعارا يبعدها قليلا ولو بصفة مؤقتة عن المواجهة مع الإدارة والخصوم حتى تتمكن من مواصلة رسالتها وتتغلغل في أوساط الناس وتخلق للتيار الإصلاحي

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير