تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

التقرب إلى الله بتلك السنن.

قد يقول قائل إن ما تتحدث عنه أمر لا يكاد يعرف، بل قد لا يظهر لكل أحد، فعلاجه من الصعوبة بمكان، فلا داعي للدخول في هذه التفاصيل ولنأخذ الأمر بكل يسر وسهولة.

وجواباً على ذلك يقال: موضوع النيات موضوع خطير جداً، إذ هو أساس قبول الأعمال وردها، فهو أساس الفوز أو الخسران المبين، أي أنه طريق الجنة أو النار، والجميع مقرون بأن أمره شاق، بل شاق جداً، وكما قال سفيان الثوري:» ما عالجت شيئاً أشد من نيتي فإنها تتقلب علي «، وعن يوسف بن أسباط أنه قال:» تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد «(4). وقد نقل عن بعض العلماء أنه قال: وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أتي على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك (5).

وقد تكلم الأستاذ ((عبدالجليل حسن)) عن هذا المرض في لمحاته التربوية من السيرة النبوية، وأجد من نسبة الفضل لأهله أن أقتطف من كلامه ما يناسب الموضوع وإن طال لأنه أجاد فيه وأفاد.

يقول: ((ولمحتنا التربوية التي نشتمها من هنا هي التفرقة بين عبادة الله وحده الذي لا شريك له، وبين عبادة أنا، التفرقة بين الحق الذي لا مرية فيه سواء أكان هذا الحق الذي أتى على يدي أو على يد غيري، سواء أكنت أنا فيه أو كان غيري، وبين الحق الزائف الذي يكون فيه أنا وأنا فقط، فإن كان غيري فهي الردة والنكوص والهلاك والخسران، إنها التفرقة بين عبادة الله وعبادة أنا، أو بين عبادة الله وعبادة النفس من دون الله.

إن كثيراً جداً ممن ينتسبون إلى الدعوة الإسلامية اليوم يتعاملون مع الدعوة ورجالها بمنطق أبي عامر (6)، فهو لا ينشط في دعوته إلا إذا كان هو صاحب الإمارة وصاحب المنزلة، صاحب التوجيه، صاحب المقام في قلوب الخلق هو القائل، وهو المتحدث، هو القائد ... المهم أن يكون هو وهو فقط، فإذا كان الأمر كذلك كان النشاط والحركة، والدعوة والهمة العالية، العمل الدائب وربما يغلف كل ما سبق من عمل وحركة بشيء من التواضع، والزهد الزائفين فإذا اهتزت في نفس هذا النمط من الدعاة (أنا) فوجد نفسه نزل من موضع إلى موضع، أو سبقه من هو دونه، أو لم يحز ما ترنو إليه نفسه، انقلبت الأمور وهدأت الحركة، وانطفأت شعلة النشاط، وبردت جذوة الأمل، وانكفأ إلى بيته، وعلى أحسن الأحوال أخذ إجازة من الدعوة، تنم عن غضب ومشاحنة ينطوي عليها الصدر، وقد يسوء الحال عن ذلك، فتكون الردة والنكوص عن الطريق كله، بحجة أن الجماعة قد انحرفت عن خطها الصحيح، وهو لا يرضى هذا الانحراف، ثم يبدأ البحث كما يزعم عن طريق آخر فيه أنا وأنا فقط «.

» أخي الحبيب: إن لنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة، فلابد لنا من وقفة صادقة مع النفس لتتوجه من جديد إلى الله، إلى الله وحده لا شريك له، إنه صفاء الابتداء، فمن خانه ذلك وكان في النفس شيء فليبدأ من جديد، بتوبة صادقة، ونية صادقة، على ألا يكون في القلب والنفس إلا الله وحده لا شريك له، إن كل ما سوى الله من غايات إنما هي أقذار وأوحال وعفن وعطب يصيب القلوب فَتَهْلَك وتُهْلكْ، فيبعد النصر ويطول الطريق، فمن كان يريد السير إلى الله عز وجل في دعوته المباركة فلا يتطلع إلى شيء، ولا يعمل بشرط أن يكون كذا وكذا، ولا ينظر إلى تقدم أو تأخر ولا يرسم لهدف في النفس لا يعلمه إلا الله «.

"» إن السعادة والسداد والفوز في الدارين، والتقدم والفلاح إنما هما في توجه النية دائماً إلى الله وحده لا شريك له، دونما التفات إلى ما سواه، ولو كنت ذَنَباً في الحق وأنت على ذلك خير لك من كونك أميراً مطاعاً ورأساً مرموقاً وأنت على غير ذلك ((كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون)) (7) «" (8).

إذاً فمن أنجع أساليب علاج هذا المرض والكشف عن الإصابة به المحاسبة والمراقبة الدائمتين، ليسأل الإنسان نفسه دائماً، ويفتش عن حقيقة دافعه للعمل أي عمل ولا يتسامح أو يتساهل مع نفسه، وبخاصة في أمر النية والباعث على العمل، إذ مدار الثواب والعقاب على صلاح النية وفسادها وليعلم أن معالجة أمر النية من أصعب وأدق الأمور كما تقدم.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير