كان الشيخ رحمه الله تعالى طيلة حياته مناضلاً شجاعاً يدفعه إيمانه بمايعتقد أن يقف مواقف الرجال في أحلك الفترات، فكانت له مشاركات في الأحداث التاريخية التي وقعت أثناء فترة الاستعمار، فكان فاعلاً للأحداث صانعاًلها غير منفعل بها، ولذلك لم يكن مستغرباً أن يناله الابتلاء وذلك حينتولى إدارة المدارس الزيتونية لسكنى الطلبة فاستاءت منه السلطةالاستعمارية، فتعرض بيته للتفتيش، وألقي عليه القبض ثم وضع رهن الإقامةالجبرية.
وبعد الاستقلال شارك الشيخ رحمه الله تعالى في الحياة السياسية حيث انتخبسنة 1959م نائباً بمجلس الأمة الأول وترأَّس الجلسات الافتتاحية في عدَّةدورات،وكان محل إكبار الجميع لمواقفه الثابتة وشجاعته.
غير أن كفاح الشيخ رحمه الله تعالى لم يشغله عن مهامه الدعوية والإرشادية والتعليمية، فقد تولى الإمامة والخطابة بجامع باب الأقواس بتونس منذ سنة 1946م وظل داعياً إلى الله مرشداً وموجهاً آمرا وناهيا، وكان لخطبه الأثرالكبير في نفوس المصلين فلم يترك الخطابة بهذا الجامع حتى أيامه الأخيرة.
وفي سنة 1977م أنتخب عميداً للكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين، فأظهربراعة فائقة في حسن الإدارة بهمة عالية وعمل دؤوب، فاجتمعت القلوب عليه فأعيد انتخابه مرة أخرى.
وكان نشاطه رحمه الله تعالى موزعاً بين العمل الإداري والتدريس وإلقاءالمحاضرات خارج الكلية في المناسبات المتنوعة، وقد تسلم عمادة الكلية،وبها أربعمائة طالب فقط، فارتفع العدد إلى أثني عشر مائة طالب وطالبة،أغلبهم من تونس وفيهم طلاب من مختلف البلاد الإسلامية.
وقد تولى الشيخ رحمه الله تعالى تجديد البرامج التعليمية، بحيث أصبحت تتناسب مع المستوى العلمي للطلبة الحاصلين على شهادة الثانوية العامة بعد أن انقرضت طبقة الشباب الزيتوني.
ثم إن الشيخ رحمه الله تعالى وسَّع دائرة التعليم في الكلية وأنشأ أقساماً جديدة أثرى بها الكلية، ولم تكن الكلية يومها تسير وِفق قانون ٍرسمي ينظم الدراسة بها، فبادر إلى وضع هذا القانون، واستصدر أمراً ينصعلى اعتبار الكلية الزيتونية مؤسسة جامعية، تعنى بالدراسات والبحوثالإسلامية.
وفي سنة 1400هـ أقام مهرجاناً علمياً كبيراً بمناسبة مرور ثلاثة عشر قرناًعلى تأسيس جامع الزيتونة أقدم جامعة عرفها العالم، حيث ألقيت بحوث قيمة بهذه المناسبة.
وقد أكرم الله الشيخ بأن حبَّب إليه العناية بالقرآن الكريم فأولاه عنايةخاصة، حيث ترأس الجمعية القومية للمحافظة على القرآن الكريم قبل أكثر من خمس وعشرين سنة فكان يسعى في توفير الاعتمادات المالية لها من تونس ومن خارجها.
فكان يطوف بنفسه للإشراف على الإملاءات الليلية التي تنظمها الجمعيات القرآنية بمختلف مساجد تونس، وأنشأ إملاءات قرآنية صيفية صباحية لتلاميذ السنة الخامسة والسادسة من التعليم الابتدائي وكامل مراحل التعليم الثانوي، وكانت هذه الإملاءات تختتم بامتحان في الحفظ والتلاوة، توزع فيهالجوائز للفائزين، وقد نظم رحمه الله تعالى مباراة قومية سنوية لحفظ كتابالله تعالى ويقام لها حفل كبير ينتظم في العاصمة تونس خلال شهر رمضانالمعظم منذ تسع سنوات إلى اليوم.
وكان رحمه الله تعالى على صلة قوية بمختلف أقطار العالم الإسلامي حيث يحرصعلى المشاركة في الملتقيات الإسلامية يشهد له بذلك أبحاثه ومداخلاتهالقيمة وكان محل إكبار وتقدير وإجلال، فهو عضو المجلس التأسيسي لرابطةالعالم الإسلامي ومجمع الفقه التابع لها، وقد شارك في أغلب ندواتها.
أما جهوده العلمية، فتتمثل في المصنفات التي نافت على العشرين بين تأليف وتحقيق.
فمنها تفسير مدرسي لجزء عم وتبارك.
ومنها شرح همزية الإمام البوصيري.
ومنها حكم التجنس قال عنه: (ذهبت فيه إلى أن الأمم الإسلامية إذا وقع البعض منها تحت حكم الكفر لا يبارحون ديارهم، لأن ذلك مؤد إلى إقرارالكفرة في ديارهم كما وقع في الأندلس)
ومنها تقديم وتحقيق كتاب (مسامرات الظريف بحسن التعريف) للشيخ أبي عبدالله محمد بن عثمان السنوسي، وهو كتاب ألّم بالحياة العلمية والأدبيةبتونس في أربعة أجزاء.
¥