قال ابن الأنباري: "فكيف يدعى عليه أنه رأى فساداً فأمضاه؟ وهو يوقف على ما يكتب ويرفع الخلاف الواقع من الناسخين فيه، فيحكم بالحق ويلزمهم إثبات الصواب وتخليده". اهـ.
ثالثاً: على فرض صحة ما ذكر يمكن أن نؤوله بما يتفق والصحيح المتواتر عن عثمان في نسخ المصاحف وجمع القرآن، ومن نهاية التثبت والدقة والضبط.
وذلك بأن يراد بكلمة ((لحنا)) في الروايتين المذكورتين قراءة ولغة. والمعنى أن في القرآن ورسم مصحفه وجها في القراءة لا تلين به ألسنة العرب جميعاً، ولكنها لا تلبث أن تلين به ألسنتهم جميعاً بالمران وكثرة تلاوة القرآن بهذا الوجه. وقد ضرب بعض أجلاء العلماء لذلك مثلا كلمة (الصراط) بالصاد المبدلة من السين فتقرأ العرب بالصاد عملاً بالرسم، والسين عملا بالأصل. اهـ[96].
أما أ. د. عبد الفتاح شلبي فقد قال في الملحق الرابع من كتابه الموسوم ((رسم المصحف العثماني وأوهام المستشرقين في قراءات القرآن الكريم ودوافعها ودفعها)): "وأرجو أن أدفع في هذا الملحق بعض الشبهات التي أثارها المغرضون حول كتابة المصحف، واتخذوها دليلا لهم على وقوع اللحن في القرآن، ووسيلة إلى الطعن في كتاب اللّه .. أثاروا هذا حول ما رواه سعيد بن جبير من أنه قال: في القرآن أربعة أحرف لحن {وَالصَّابئُونَ} [97]، {والمُقِيمِينَ} [98]، {فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصَّالِحينَ} [99]، و {إن هَذَانِ لسَاَحِرَانِ} [100]، كما أثاروا نحو ذلك حول ما يروى من أنه ((لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه قال: "قد أحسنتم، وأجملتم، أرى فيه شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها" [101].
وهذه الشبهات التي أثاروها مردودة بأمور:
أولا: المعنى اللغوي لكلمة اللحن.
فاللحن: اللغة، والقراءة. قال عمر رضي اللّه عنه: "إنا لنرغب عن كثير من لحن أبي، يعني لغة أبي" [102].
وكان عمر رضي اللّه عنه يقول: "أبي أقرأنا، وإنا لندع بعض لحنه. أي قراءته" [103].
ثائياً: قياس العربية يصحح تلاوة هذه الكلمات بما رسمت به.
أ- فلا خطأ في قراءة {الصابئون} بالرفع كما رسمت في المصاحف فالصابئون رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها كأنه قيل:
إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا .. والصابئون كذلك [104].
وأنشد سيبويه شاهداً له:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم
بغاة ما بقينا في شقاق [105]
أي فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك. ومثله: فإني وقيار بها لغريب. أي. فإني لغريب وقيار بها كذلك [106].
ب- أما قراءة {والمقيمين} بالياء فلها وجه من سنن العربية، والتوجيه الإعرابي، فهو منصوب على المدح بتقدير: أعني المقيمين، وذلك لأن العرب تنصب على المدح عند تكرر العطف والوصف.
قالت الخرنق:
لا يبعدن قومي الذي همُ
سم العداة، وآفة الجزر
النازلون بكل معترك
والطيبين معاقد الأزر
فنصبت الطيبين على المدح، فكأنها قالت: أعني الطيبين [107].
قال الشاعر:
إني الملك القرم، وابن الهمام
وليث الكتيبة في المزدحم
وذا الرأي حين تغم الأمور
بذات الصليل، وذات اللجم [108]
فنصب ذا الرأي على المدح [109].
قالوا: والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء ونعته، إذا تطاولت بمدح أو ذم، خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه أحياناً، ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله، وربما أجروا إعراب آخره على إعراب أوسطه، وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب [110].
وقد يكون موضع المقيمين في الإِعراب خفض: على ((ما)) التي في قوله {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}، يؤمنون بالمقيمين الصلاة [111]. والمقيمون الصلاة هم الملائكة، قالوا: وإقامتهم الصلاة تسبيحهم ربهم واستغفارهم لمن في الأرض. فمعنى الكلام: والمؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة [112].
ج- وأما قراءة {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} بجزم ((أكن)) فله وجه من الإِعراب، ذلك أنه محمول على المعنى والتقدير: إن أخرتني أكن [113].
د- وأما {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} فلا يلتفت لطعن الطاعن فيها، فهي قراءة متواترة قرأ بها نافع، وابن عامر، وأبو بكر، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف [114]، على أن لها وجهاً فصيحاً في العربية، ذلك هو إلزام المثنى بالألف في جميع حالاته، ومنه قول الشاعر العربي:
¥