تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[ماذا يعني افتتاح موقع المكتبة الأزهرية بصورته الحالية بالنسبة للتراث؟]

ـ[المستشار]ــــــــ[23 - 05 - 05, 10:17 م]ـ

سررنا جميعًا بهذا الافتتاح الجميل لموقع الأزهر، وما ضمنه من مخطوطات رائعة، وما بذلها المفتتحون آل مكتوم أثابهم الله للباحثين من مخطوطات.

لكنهم بلا شك لم يضعوا على الشبكة كل ما حوته الأزهرية من نفائس، كانت ولا زالت محط أنظار الناس.

ولكنه جهدٌ مشكورٌ، وعملٌ مبرورٌ، يستحق أن يُشاد به، ويُحْتذى إن شاء الله عز وجل.

وفي مثل هذه التيسيرات فوائد لا حصر لها، وقد كنتُ أشرتُ إلى بعضها في موضعٍ آخر، ورأيتُ تكراره هنا لعموم النفع بإذن الله تعالى.

وسأحاول أن أربط بين هذا العمل العظيم وبين الرقابة على التراث، وغير ذلك من عدة أطراف أسأل الله عز وجل أن يعين عليها، وسأضع كل فائدةٍ في مشاركةٍ خاصةٍ بها في هذا الموضع إن شاء الله تعالى.

ـ[المستشار]ــــــــ[24 - 05 - 05, 01:20 ص]ـ

لحكمةٍ يعلمها الله عز وجل قد تكلفل سبحانه بالنص على تحريم الشح والبخل في كتابه العزيز، كما جاء النص على ذلك على لسان نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، لما في البخل والشح من تفويت المصالح على البلاد والعباد من وجوهٍ عديدة.

وكم عانى المسلمون من ضياع بعض الكتب وفقدانها بسبب الشح والبخل بها من بعض الناس، أو بسبب العجز عن توصيلها لطالبيها، أو بسبب الظروف القاهرة التي حالت دون خروج الكتاب من موطنه الأصلى.

وكان لهذه الأسباب وغيرها أكبر الأثر في ضياع ما لا يحصى من مؤلفات العلماء التي لم يبق منها سوى اسمها، بل منها ما فقدنا حتى اسمه، ولم يبق منه سوى مجرد تكهنات عنه، لا تسمن ولا تغني من جوع، وما نبأ مصنفات ابن حبان العديدة ببعيدٍ عنا.

ويتحتم الضياع والفقدان إذا اجتاح العدو بلدًا مسلمًا يحتوي على زخائر التراث، كما جرى في عراق الأمس واليوم.

بالأمس جاء التتار وعبروا النهر على جثث أوراقنا وتراثنا، واليوم جاء أبناؤهم من الأمريكان وغيرهم وحرقوا البقية البقية، إلا ما تكفل الله بحفظه هناك فلم يقدر عليه هؤلاء ولا أولئك.

أما الشيخ والبخل والطمع والتلاعب فيمكن ضرب المَثَل بالغماري الهالك، الذي تجرأ وبئس ما دلَّتْه عليه نفسُه أن يسرق كتاب المجروحين لابن حبان رحمة الله عليه؟ وأي نسخة؟

لقد كانت نسخة المجروحين لابن حبان رحمة الله عليه بخط الحافظ ابن حجر، فهي نسخة نفيسة محررة، وظلت بعيدةً عن أعين الحاقدين واللصوص زمانًا طويلاً، حتى جاء الغماري وسكن بأزهر القاهرة العامر، ومكتبة الأزهرية التي أحياها ابن مكتوم بعمله الجديد أثابه الله عليه.

لقد أبَتْ نفسُ هذا الغماري التعيس أن تترك المجروحين كما هي لطلبة العلم، فسرق النسخة وأرسلها لبلده بالبريد، فعوقِبَ الغماري بفعلتِه، وعُوقِبَت الأمة معه بفقد الكتاب بنسخته المحررة بخط ابن حجر في البريد!!

فكان أن لاحقت الغماري غمزات وهمزات محبي المجروحين، ومحبي ابن حبان، ومحبي ابن حجر، وعشاق البحث العلمي الجاد.

وهذا مثالٌ من عشرات الأمثلة التي قام الشح والبخل والطمع والسرقة وغيرها من الأسباب بدورٍ فاعلٍ في هدم المعبد التراثي على مَنْ فيه.

ويكمن خطر ذلك في عدم توافر النسخ، فمعنى فقْد النسخ الوحيدة الموجودة أن تفقِدَ الأمة الكتاب كله، ويضيع عليها ميراثها وتراثها الواحد تلو الآخر.

لكن شاء الله عز وجل أن يُحيي مَوَات الكتب، ويُرَمِّم ما تبقى من تراثنا في مراكز شتى، ولكن لا زالت هذه المراكز والتجمُّعات لم ترق إلى حدِّ طرح ما لديها للناس بيسر وسهولة، مما كان له أكبر الأثر في ضياع ما فيها بمجرد ضياعها!

تمامًا كما جرى في عراق اليوم!! من حرقٍ وتدميرٍ!!

والآن أحيا ابن مكتوم أثابه الله على عمله سنةً حسنةً، وبدأ عملاً متقنًا يحفظ على الأمة تراثها العظيم.

وذلك من خلال تيسير التراث الأزهري العامر لكل الناس، داخل الأزهر وخارجه.

وهذا يعني تعدُّد النُّسخ ووفرة الكتاب في بلاد المسلمين قاطبة، بما يعني حفظه واستحالة محوه ودرسه من الوجود.

لأنه إذا اجتاح الجائحة بلدًا ما (حفظ الله بلاد المسلمين من كل سوء) فسنجد الكتاب في غيرها من بلاد المسلمين، وهكذا يبقى الكتاب ولا يندرس، ويستحيل ضياعه وفقد على كافة الأمة.

بخلاف ما إذا كان في حوزة الواحد والاثنين منها، فسرعان ما يضيع بضياع هؤلاء.

لدينا مكتبة الشيخ محمد حامد الفقي رحمة الله عليه وكنوزها مطبوعةً ومخطوطةً، أين ذهبتْ؟ لا ندري عنها شيئًا، سوى أنها بيعت بخمسةٍ وعشرين ألفًا من الجنيهات المصرية، وهذا بالنسبة لها ثمن أقل من البخس، بل لا يكاد يوصف أنه دراهم معدودات بالنسبة لحجم وزخم المخطوط والمطبوع في هذه المكتبة العامرة.

لكن في الوقت نفسه: لدينا التيمورية، وغيرها من المكتبات التي وُهِبَت لدار الكتب المصرية، فانظر كم نفع الله بها من المسلمين؟ وكم عادت على الأمة بالنفع والخير؟ وكم؟ وكم؟

فنحن نحيي هذه اللفتة الطموحة من الشيخ ابن مكتوم الإماراتي أثابه الله عليها، ونشد على يديه ونرجو له التوفيق والسداد في وضع كافة مخطوطات الأزهرية وتذليلها على الشبكة ليعم النفع، ويُحْفظ على الناس تراثهم.

وأناشد بالله كل قادرٍ يرى كلامي هذا أن يوصله للشيخ ابن مكتوم حفظه الله وبارك فيه، وأن يبلغه سلامنا واحترامنا، وأن ينشده الله بالآتي:

أولاً: وضع بقية تراث الأزهرية على الشبكة وتذليله وتيسيره أمام الباحثين من كل الدنيا، وفي شتى البقاع.

ثانيًا: التوجُّه لليمن، حيث مكتبة الجامع الكبير بصنعاء، وزخمها ومخطوطاتها، وإبرازها للنور، بنفس الشكل الحالي في الأزهرية.

نناشد بالله ملوك الأرض وأرجاء الدنيا أن تضع للمسلمين تراثهم الذي امتنَّ الله عليهم به، وأن لا يحجبوه عنهم، خشية ضياع التراث أو الأمة.

اللهم قد بلغتُ قولي لهم، اللهم فاشهد، فلستُ عليهم برقيب، وأنت المجيب لدعائنا، أن تُعزَّ الإسلام والمسلمين، وأن تبارك جهود المخلصين والمنفقين، وأن تسدد خطا ابن مكتومٍ وتثيبه على ما بدأه، وتأخذ به وبغيره من كرماء النفس إلى يمننا وشامنا وباقي بلادنا ليفتحوها لنا فقد أُغْلِقَت أبوابها بيننا وبين تراثنا.

فاللهم استجب.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير