لا بد للمحقق أن يأخذ من علم فن وعلم بطرف، ولكن هذا لا يعني أن يقحم نفسه فيما لا قِبَل له به، فإن من العجيب أنك تجد بعض < المحققينات> يصدر اليوم كتابا في الفقه، وغدا كتابا في الحديث، وبعد غد كتابا في الأصول، وبعده كتابا في اللغة، وبعده كتابا في التاريخ، وبعده كتابا في التفسير!!! فتعجب وتقول: في أي فن تخصص هذا الرجل؟ أم بُعِثَ ابنُ جرير الطبري أو شيخ الإسلام ابن تيمية من قبرهما؟
وضع نصب عينك كلمة الحافظ ابن حجر: (من تكلم في غير فنه أتى بهذه العجائب)
7 = اقصد إلى المهم ولا تشتت جهدك:
فالملاحظ الآن أن كثيرا من المحققين يصرف جهده في تحقيق المحقَّق وتهذيب المهذَّب، وصار التنافس بين دور النشر في طباعة الكتاب نفسه بتحقيقات مختلفة! حتى صار الباحث ملزما بشراء عدة طبعات للكتاب الواحد؛ لأنك تجد في هذه ما لا تجده في هذه.
لا ننكر أن بعض الكتب طبعت طبعات سقيمة وتحتاج لإعادة تحقيق، ولكن مما لا شك فيه أن إصدار ما لم يحقق أولى.
8 = لا تستنكف من قول (لا أدري):
إذا أَشْكَلَ عليك شيءٌ، وأدرتَ فيه أوجُهَ النظر، واستوفيتَ فيه طُرُقَ البحث، ثم بعد ذلك كله لم تقف على توجيهه، فلا عليك أن تقولَ: (لا أدري)، فتفتح السبيل لمن شاء من القراء أن يستدرك عليك هذا الموضع غيرَ منكِر عليك، ولكن المشكلة أننا نلاحظ بعض المحققين يُشكِلُ عليه الشيء من الكتاب فيدور حوله ولا يظهر، وأحيانا يخترع كلاما لا وجه له!!
ومن ذلك أن بعض المحققين يلتزم مثلا بضبط جميع كَلِمِ الكتاب، ثم تراه أحيانا كثيرة يضبط ما لا يُشْكِلُ ويدع ضبط المُشْكِل!!
9 = إياك أن تتكل على الطبعة الثانية ثم الثالثة ثم ... :
بعضُ المحققين يبذل جهدا مشكورا في تحقيقه، ولكن تراه أحيانا يقول: وندع هذا لطبعة ثانية!! ويصرح بعضُهم بذلك، وكأنه لا يضع اعتبارا مطلقا لذمم القراء المرهقة بالإنفاق في غير كتابه!
المفترض أن المحقق يبذل ما يقدر عليه من جهد في كتابه، وإنما تكون الزيادات في الطبعة الثانية إذا جد جديد لم يكن يعلمه المحقق، أو جاءته ملاحظات من أهل العلم، أو وقف على مخطوط جديد، أو نحو ذلك.
أما أن تنقلب المسألة تجارية فهذا ما لا يحمد صاحبه، بل يلام.
10 = احذر السطو، فهو مكشوف آجلا أو عاجلا:
مسألة السطو هذه شاعت جدا في عصرنا هذا، وأسبابها كثيرة يمكن تصنيفها إلى أسباب اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، ولكن إجمالا نقول إنها صارت أمرا شائعا لا يُسكت عليه.
وإذا كنا لا نستنكر السطو أن يصدر ممن عُرِف به وشاع عنه، فإننا نعجب إذ نجد الداء انتشر وزاد حتى أصاب بعضا من الموسومين بالعلم المشهورين به، فصار لزاما على أهل العلم أن يبينوا هذا الأمر، خاصة إذا وجدنا السارق يتهم المسروق منه بأنه سارق!!
ولا يرد علينا مطلقا ما يردده المرددون ويتقوله المتقولون من أن النصيحة على الملأ فضيحة؛ لأن هؤلاء لم يستحوا من السرقة على الملأ، فالصواب أن يكون جزاؤهم من جنس عملهم جزاء وفاقا.
أخوكم ومحبكم/
أبو مالك العوضي
و أضيف إلى ما سبق مرتباً الأفكار:
أصول:
1) الهدف الأساسي من تحقيق المخطوط هو إخراج نصٍّ مطابق للأصل الذي نقل عنه دون أدنى تغيير أو تحريف.
2) وظيفة التعليق الأساسية هي إثبات الفروق بين النسخ إن وجدت النسخ و وجدت الفروق و كذلك التنبيه على الخطأ الذي يعتقده المحقق (الناقل من الأصل) خطأً من الناسخ، لذلك فإن تغيير النص المخطوط مباشرة دون التنبيه على ذلك التغيير يعتبر تحريفا صريحا للنص و خيانة للأمانة العلمية أمام أهل العلم و أمام الله عزَّ في علاه و اجتراء ما بعده اجتراء.
3) على المحقق و المعلق و الموثق أن يكون على علمٍّ تامٍّ بما تعهد لتحقيقه و أن يكون من أهل هذا العلم و المشتغلين به، و بناءً على ذلك فلا يجوز للعالم باللغة العربية أن يحقق كتابا في علم الحديث أو في علم الفقه و لا يجوز له الاشتغال إلا في كتب اللغة العربية و لو كان متخصصا أكثر فيها فهذا أحسن، أي أن يكون مثلا متخصصا بعلم النحو مثلا أو علم الألفاظ و المعاني فيحقق ما خصَّ هذا العلم فلا يتعداه إلى غيره من العلوم.
4) على المحقق أن يكون ذا معرفة بأنواع الخطوط ليستطيع قراءة المخطوط بأريحية و دون الوقوع بالأخطاء الناجمة عن سوء قراءة نوع من أنواع الخطوط.
¥