تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[وصايا لحفظ المتون]

ـ[د ـ عبدالله التويجري]ــــــــ[15 - 08 - 06, 08:08 م]ـ

[وصايا لحفظ المتون]

سليمان بن خالد الحربي

في الحقيقة الاختيار كان موفقاً في العنوان، ولم يكن موفقا في الملقي، وهذا الموضوع حري أن يطرقه من تمرس في هذا العلم تمرساً عظيماً؛ لأن هناك خلط وتخبيط في مفهوم العلم الصحيح، وطريقة الحصول عليه، فكان من الحري والمهم أن يُكثر من طرق هذا الموضوع حتى ترجع الأمور إلى نصابها الصحيح، وأقولها بصدق أصبح طلبة العلم الصغار محل تجارب في الحقيقة، كل مجرب فرح بما لديه دون النظر إلى الغاية، كل من قرأ متناً يحسب أن هذا المتن هو أفضل شيء بسبب جهله، وما درى أن هناك ما هو أحسن منه، وكل من سلك طريقا ظن أنه أحسن طريق وما درى أن هناك من هو أعلم منه، وأصبح طالب العلم المبتدي كما يقال في حيص بيص، فكان لزاماً أن ترجع الأمور إلى نصابها الصحيح، ولعلنا ننقل لكم بعض تجارب السلف والخلف وما سمعناه من شيوخنا سائلين المولى أن ينفعنا وإياكم، ولتعلموا أيها الأحبة أنه لا يمكن ثم لا يمكن أن يؤخذ طريق العلم من مبتدئ، ولا يمكن أن يؤخذ طريق العلم من متوسط، لا يؤخذ طريق العلم إلا من منتهٍ؛ لأنه هو الذي يبلغك كيف كانت النهاية، وللأسف الشديد أننا الآن نأخذ تجارب أناس لم يصلوا بعد إلى الغاية، ولم نر الحصيلة، وإذا أردت أن تعرف نهايتك فاعرف نهاية من سلك طريقك، لترى، هل النتيجة التي توصل إليها هي ما تريده؛ فإن كان هذا الذي تريده فاسلكه، وإن كان ليس هذا الذي تريد فالنزول من أول السلم أهون، ولا يمنع الإنسان عندما يسلك طريقا ويجد أنه لم يسلك الطريق الصحيح، أن يقول للناس هذا الطريق الذي سلكته غلط، ولكن للأسف قل أن نجد مثل هذا.

كان السلف رحمهم الله تعالى يحرصون على حفظ المتون حرصاً شديداً، والمتون عندهم على حسب العلم الذي يريده، فمن أراد أن يتخصص في علم: بحث عن متن له يحفظه ويضبطه ويلخص له هذا العلم؛ لأن حفظ المتن يسهل العلم، ولهذا قال الإمام السفاريني رحمه الله تعالى: (وصار من عادة أهل العلم، أن يعتنوا في سبر ذا بالنظم؛ لأنه يسهل للحفظ كما يروق للسمع ويشفي من ظما) إذا حفظت متناً في علم ضبط لك الأمور وجمع لك العلم، ولهذا أنتم الآن تجدون خريج شريعة قرأ حاشية ابن قاسم، وقرأ بلوغ المرام مع شرحه، وقرأ العقيدة الطحاوية مع شرحها، وقرأ النحو؛ لكن هذا العلم تفلت مع أنه قد فهمه، وقد يكون تخرج بمعدل كبير، لماذا؟ لأنه ما استمسك بحصن، وهذا الحصن هو: حفظ المتن، ولهذا قل أن تجد عالماً يكتب منظومة إلا ويقول انه سألني من سأل أن أكتب شيئاً ليضبط هذا العلم، ويمسكه بالحفظ؛ ولهذا قال الرحبي في الرحبية:

الثلثان وهما التمام ... فاحفظ فكل حافظ إمام

لا يكون الإنسان إماماً حتى يحفظ، عقل الإنسان لا يستطيع أن يسيطر على المعلومات لا يمكن، لا يمكن أن تسيطر على المعلومات مهما بلغ ذكاؤك، تغش نفسك إن ظننت أنك ستسيطر على المعلومات بكثرة القراءة والكتابة، أبداً، تجد شخصاً يبحث بحثاً فيرجع إلى مئات الكتب، ثم إذا أغلق البحث، قلت له: أعطني الخلاصة.

لا يمكن أن يكتب صفحتين؛ لأنه ما حفظه، هذا وهو لا يزال قريب عهد بهذا البحث، فكيف إذا كان بعد مدة. ولو سألت شخصاً تخرج الآن من الشريعة، بعد خمس سنوات، وقلت له: أعطني أسماء بحثك. لأخطأ في اثنين، مع أنه جلس شهراً وهو يبحث، نغش أنفسنا إن ظننا أن الذاكرة تستطيع أن تستوعب العلوم، فضلاً عن علم واحد، فضلاً عن مسألة واحدة، فلا تعتقد أنك ستنال العلم بدون حفظ المتون، هذا لا يمكن، فاختصر على نفسك الطريق احفظ في كل علم متناً أو متنين أو ثلاثة، حتى يثبت هذا العلم وترد كل فائدة إلى أصلها - والذاكرة طبيعتها إن لم ترتب تتشتت - إذا حفظت في علم العقيدة متناً أو متنين وضبطته وفهمته، ثم جاء من الغد، واستفدت فائدة عقدية، فالذاكرة بطبعها تذهب بهذه المسألة المستفادة إلى أقرب مكان لهذا المتن، فتستقر في عقلك، وأنا أشبه دائماً هذا الكلام بالبنيان تضع لك قاعدة تبني عليها ما تشاء، لكن إذا لم يكن هناك قاعدة تشتتت هذه الفائدة وذهبت، ثم تقول أذكر أنني قرأتها وأذكر أنني كتبتها وأذكر أنني أخذتها، ثم هذا الكلام لا يفيد ولا يشفي غليلاً، لكن إذا كان الإنسان عنده قاعدة ثبتت في مكانها، ولذلك انظر

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير