تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

تحْريفاتُ اليَسُوعيَّين لكتُب التراث

ـ[محمد أبو عمر]ــــــــ[06 - 08 - 07, 11:49 م]ـ

قد لا يخطر في البال أن يعمد إنسان عاقل ينتمي للدين والعلم إلى تشويه النصوص الأدبية والتاريخية، ولكن ذلك واقع بالفعل، ووقع كثيراً من ((الأدباء اليسوعيين)) في بيروت، وهم قساوسة من الطائفة الكاثوليكية، أسسوا جامعة ((القديس جوزيف)) ولهم مطبعة تسمى ((المطبعة الكاثوليكية)). وقد طبعوا منذ قرن من الزمان طائفة من كتب التراث الإسلامي وأحدثوا فيها تحريفات غريبة وعجيبة. تدل على شدة تعصبهم وحقدهم على الإسلام، وفقدانهم نزاهة العلماء، وأمانتهم في النقل، وقد كشف عن بعض هذه التحريفات أفاضل الباحثين، وقد رأيت أن أنبه لذلك، وأذكر بعض نماذج من هذه التحريفات:

1. فقه اللغة للإمام أبي منصور عبد الملك الثعالبي:

عندما طبع الآباء اليسوعيون هذا الكتاب استبدلوا عبارة المؤلف عند ذكر النصوص القرآنية (قال تعالى) بعبارة، (يقول القرآن)! وهذا منتهى التعصب، فهم لا يريدون أن تمر أبصارهم أو تنطق ألسنتهم، وألسنة قرّاء مطبوعاتهم بعبارة تتضمن حقيقة أن القرآن كلام الله، وأين هذا من تسامح علماء المسلمين الذين أدبهم القرآن الكريم على الأمانة في النقل والرواية لكلام المخالفين بنصه، مهما كان محتواه مخالفاً العقيدة الإسلامية، حتى صارت لديهم قاعدة مشهورة: ((ناقل الكفر ليس بكافر)).

2. كتاب ابن عبد البر الذي جمع فيه شعر أبي العتاهية في الزهد والحكم:

يمتاز أبو اسحق إسماعيل بن القاسم المشهور بأبي العتاهية بغزارة شعره الذي أنشده في الزهد في الدنيا، وذكر الموت وما بعده من القبر والحساب في الآخرة والجزاء بالجنة أو النار، سوى ما نظمه في الأغراض الشعرية الأخرى. وقد اتهمه حساده بالزندقة، وحاولوا إثبات ذلك بإيراد روايات عن تهتكه في شبابه، وما كان بينه وبين أمثاله من شعراء العصر العباسي كأبي نواس وغيره. هذا ما حدا بالحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر بالعناية بجمع أشعاره الحكمية والدفاع عنه، وإثبات براءته مما وصم به، في كتابه: الابتهال بما في شعر أبي العتاهية من الحكم والأمثال [1].

وكان القسيس الأب لويس شيخو اليسوعي قد طبع ديوان أبي العتاهية منذ ما يقرب من قرن في المطبعة اليسوعية في بيروت، وأعيد طبعها عدة مرات، وفيها تحريفات كثيرة، لفتت نظر الشيخ المحقق أحمد محمد شاكر رحمه الله، أثناء تحقيقه لكتاب: الشعر والشعراء لابن قتيبة. فعلق على ترجمة أبي العتاهية بقوله ((وديوانه معروف مطبوع، طبعة الآباء اليسوعيون .. وهم قوم لا يوثق بنقلهم لتلاعبهم وتعصبهم وتحريفهم، ولكن هذا الذي وجد بأيدي الناس)).

وقد لفت نظري مقال للدكتور آدم بيلو ((حول الشعر التعليمي)) المنشور في العدد 52 من مجلة الجامعة الإسلامية، وفيه يقول: إن جامع ديوان أبي العتاهية لويس شيخو قد أورد من أرجوزة أبي العتاهية المعروفة بذات الأمثال ما يقارب من الخمسين بيتاً، وتذكرت أن الدكتور شكري فيصل قد أورد منها ثلاثمائة وعشرين بيتاً، في كتابه: ((أبو العتاهية: أخباره وأشعاره)) المطبوع بجامعة دمشق سنة 1384، وقد أماط مؤلف هذا الكتاب اللثام عن تحريفات الأب شيخو، وقام بجهد مشكور في توثيق شعر أبي العتاهية معتمداً على مخطوطتين إحداهما في دار الكتب الظاهرية بدمشق، والأخرى في مكتبة توبنجن بألمانيا، وهما نسختان مما جمعه ابن عبد البر، ولما كان ابن عبد البر لم يقصد إلى جمع شعر أبي العتاهية كله، فإن الدكتور شكري حرص على جمع أشعاره وأخباره من مختلف المصادر فجاء كتابه جامعا موثقاً فيه الأمانة في النقل، وإثبات الاختلاف في الرواية إن وجد.

وأما لويس شيخو فقد طمس عمل الحافظ ابن عبد البر، فكتب عنوان الكتاب هكذا: (الأنوار الزاهية في ديوان أبي العتاهية)، وكتب تحته: ((نقلاً عن رواية النمري، وكتب مشاهير الأدباء كالأصفهاني والمبرد وابن عبد ربه و المسعودي و الماوردي و الغزالي)).

وحين شرع الدكتور شكري يقابل بين مخطوطة الظاهرية وبين ما في مطبوعة الأب شيخو استرعى نظره أمر خطير، يقول: "لفتني في شيء من عنف تحريفات غريبة وقعت عليها، فلما مضيت أستقصي، بدت لي هذه التحريفات وكأنها عمل مقصود" [2].

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير