تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وذهب المعتبرون لاختلاف المطالع أن رؤية الهلال في بلد لا تلزم في حق أهل بلد آخر، بل لكل بلد رؤيتهم مطلقا سواء تقاربت البلدان أم تباعدت وقد حكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم بن محمد وسالم ابن عبد الله وإسحاق بن راهويه، وعزا ابن عبد البر هذا القول لابن عباس وابن المبارك، كما عزاه إلى مالك فيما رواه المدنيون عنه، وإلى المغيرة وابن دينار وابن الماجشون من أتباع مالك (5) وحكاه الماوردي وجها للشافعية (6).

وفرق آخرون ممن يعتبرون اختلاف المطالع بين البلد القريب والبعيد، ويجعلون تقارب البلدان والأقطار في حكم بلد واحد، أما إذا تباعدت فلا تكون الرؤية ملزمة على أهل البلد الآخر، فأهل كل أفق يستقلون برؤيتهم، وهذا هو المعتمد عند الشافعية وبه قال الشيرازي وصححه الرافعي، وبه قال الزيلعي من الحنفية (7).

وقد اختلف فقهاء المذاهب اختلافا شديدا في ضابط القرب والبعد، وما اشترطوه من معيار البعد مبني في حقيقته على استدلال عقلي محض لا يشهد له دليل من الشرع.

وعند التمعن في سبب اختلاف العلماء في اعتبار اختلاف المطالع أو عدم اعتباره في ثبوت الأهلة يظهر رجوعه إلى:

أولا: صلاحية تخصيص عموم الخطاب لسائر المكلفين وتقييد مطلق الرؤية بالدليل العقلي.

ثانيا: في مطلقية مطلع الهلال من نسبيّته.

ثالثا: في تعارض النص والأثر، فهل كان رفض ابن عباس رضي الله عنهما الالتزام برؤية أهل الشام في قصة"كريب" (8) مبنيا على الرفع أم على الاجتهاد المحض؟

رابعا: في المعنى الذي يفيده حديث ابن عباس في قصة "كريب" هل يدل على معنى مغاير يقيّد به مطلق قوله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) أم معناه مطابق له؟

فمن رأى أن عموم الخطاب بالصيام والإفطار متجه إلى من تحققت له رؤية الهلال ولمن حضره من أهل البلد والبلدان القريبة قيّد مطلق الرؤية بالدليل العقلي المتمثل في تباعد الأقطار والبلدان الذي يوجب في الواقع اختلاف المطالع دون تقاربها عادة، وأكد هذا المعنى بقياس مطلع القمر على مطلع الشمس باعتبار نسبية مطلعيهما شرقا وغربا، لأن كلا منهما له وضع كوني يؤثر في اختلاف أوقات العبادات وانعقاد الأهلة، أيده بانعقاد الإجماع المنقول عن أبي عمر بن عبد البر، وحصر اعتبار اختلاف المطالع في البلدان البعيدة دون غيرها على اختلاف في ضابط البعد.

ومن سوى في استقلال كل بلدة بالرؤية بنفسها بين تقارب البلدان وتباعدها فضلا عن أنه اعتمد الاجتهاد السابق في البعد، اعتبر أن رفض ابن عباس رضي الله عنهما الالتزام برؤية أهل الشام في قصة "كريب" مبنيّ على الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه بدليل يحفظه وإن لم يصرح به، وهو يفيد ما أفادته الآية في قوله تعالى: ?فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ? [البقرة:185]، وحديث ابن عمر رضي الله عنها في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه) من أن الشارع علق الحكم على رؤية البعض المعتبر الذي ينزّل منزلة الكل، وتبقى سائر البلدان الأخرى التي لم تر الهلال على مقتضى عموم الآية والحديث القاضي بوجوب الصوم منوطا برؤيتهم على انفراد مع انسحاب ذلك كله على سائر الأهلة، أثبت المعنى المغاير وقيّد به مطلق الرؤية الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم:

(صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وجعل الحجة في القرب من جهة الحكم دالة على البعد بالأولوية.

ومن رأى أن عموم الخطاب في قوله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) علقه الشرع بمطلق الرؤية وأن تباعد الأقطار لا يوجب اختلاف المطالع شرعا فلا يتقيد مطلق الرؤية بالدليل العقلي لاستواء القرب والبعد في علة الحكم وهي"مطلق الرؤية" إذ الشهر يثبت برؤية هلاله فلا تتعدد ولادته لتوسطه بين هلالين فولادته مطلقة لا تختلف وضعا كونيا بالنسبة لأهل الأفق فيتعذر إلحاقه بمطالع الشمس لنسبيتها وهو سبب الفرق في عدم إمكانية التسوية بينهما قياسا.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير