تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

بينما الرسائل يتِمُّ تبادُلها بين الأطراف المختلفة - انتقد 22 سفيرًا دنمركيًّا، أغلبهم عملوا في البلاد العربية موقفَ حكومة بلادهم من المسألة، وقام وفد من مسلمي الدنمرك يمثِّلون 21 مركزًا إسلاميًّا ومنظمة بزيارة إلى القاهرة، التقَوْا خلالَها شيخَ الأزهر والأمين العام لجامعة الدول العربية، وانتقد وزراء خارجية الدول العربية سلبيَّة الحكومة الدنمركية إزاء الإهانة التي لحقت بنبي الإسلام، ووجد الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي أنه لا مفرَّ من اتخاذ موقف عملي يوصِّل رسالة الاحتجاج والغضب إلى حكومة الدنمرك، التي تعاملت مع الحدث بقدر لافت للنظر من عدم الاكتراث واللامبالاة، ولذلك قرَّر إعلان مقاطعة المنظمة لمشروع دنمركي، يتمثَّل في إقامة معرض كبير تحت عنوان "انطباعات عن الشرق الأوسط"، تغطي حكومة كوبنهاجن جزءًا من تكاليفه، ويفترض أن تسهم الدول العربية (الخليجية) في تغطية بقية النفقات، وبعث الدكتور أكمل الدين أوغلو رسالة بِهذا المعنى إلى الجهة المعنيَّة في كوبنهاجن، أبلغها فيها بأن منظمة المؤتمر الإسلامي طلبت من كل الأعضاء مقاطعة المشروع، احتجاجًا على موقف بلادهم الرسمي من إهانة نبي الإسلام.

أخيرًا؛ وفي أعقاب كلِّ تلك التطوُّرات - تطرَّق رئيس وزراء الدنمرك إلى الموضوع في بيان رأس السنة الميلادية الذي بثَّه التلفاز، قال فيه: إنَّ حكومته تدين أيَّ تعبيرٍ أو تصرُّف يسيء إلى مشاعر أيَّة جماعة من الناس، استنادًا إلى خلفيَّاتهم الدينية أو العرقية، وبِهذه الإشارة المخفَّفة، تصوَّر الرسميُّون في كوبنهاجن أنَّه تمَّت تسوية الأمر، في الوقت الذي بدا فيه لكل ذي حسٍّ سليم أنَّ الجرح أكبر وأعمق بكثير من أن يداوَى بكلمات عامَّة وخجولة من ذلك القبيل.

من ناحية أخرى؛ كانت بعض المنظمات الإسلامية في الدنمرك قد رفعت قضية ضد الصحيفة التي تبنَّت الإساءة البذيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، ولكن المدَّعي العامَّ رفض القضية، معتبرًا أنَّ نشر الرسوم الكاريكاتورية جرى في إطار حُرِّيَّة التعبير التي يحميها القانون!

وفي حين اختُصَّ رئيس تحرير صحيفة "يولاندز بوسطن" بالقرار؛ فإنَّ صدوره شجَّع صحيفة مسيحيَّة محافظة أخرى - "مجازينت" - على إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية الاثني عشر، ومن ثمَّ الترويج لحملة السخرية البذيئة من نبي المسلمين ودينهم.

ولا يزال الملف مفتوحًا؛ حيث قدم مسلمو الدنمرك طعنًا في قرار المدعي العام، وثمة مشاورات حول الموضوع ما زالت جارية بين ممثلي الدول الإسلامية في جنيف ولدى منظمة (اليونسكو)، وليس معروفًا بعد كيف سيكون موقف ممثِّلي تلك الدول من المسألة.

إنَّ ما يُثِير دَهْشَتَنا واستياءنا ليس فقط أن يتطاول شخص أو منبر إعلامي على نبي الإسلام ومقدَّسات المسلمين؛ فالمتعصِّبون والموتورون والحاقدون والمغرضون موجودون في كل مجتمع، وهم كُثْرٌ في الغرب، خصوصًا إذا ما تعلَّق الأمر بالشأن الإسلامي، ومن أسفٍ أنَّ أصوات هؤلاء طغت على أصوات العقلاء والمنصفين من مثقفي الغرب، لكن ما يثير الدهشة والاستياء أيضًا - وبدرجة أكبر - هو مسلك الحكومة والقضاء في الدنمرك؛ حيث يفترض أن تتنزَّه مواقفُهُما عن الهوى والغرض، وأن يكون تعبيرُهُما أكثرَ التزامًا بمعايير الإنصاف وبمقتضيات المصلحة العامَّة.

فليس صحيحًا أنَّ السخرية والطعن في نبي الإسلام ورموز المسلمين يعدُّ من قبيل ممارسة حرية التعبير؛ لأنَّ الذي تعلَّمناهُ في دراسة القانون: أنَّه لا توجد حرِّيَّة مطلقة إلا فيما يخص حرية الاعتقاد والتفكير، أمَّا التعبير فهو سلوك اجتماعي يَرِدُ عليه التنظيم في أي مجتمع متحضِّر، وعند فقهاء القانون في النظام (الأنجلو - سكسوني)، وفي النظم اللاتينية، فضلاً عن الشريعة الإسلامية - فإنَّ حرية التعبير يسبغ عليها القانون حمايته، طالما ظلَّت تخدم أيَّة قضية اجتماعية، ولا تمثِّل عدوانًا على الآخرين، وللمحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة أحكام متواترة بِهذا المعنى، والعبارة المتكررة في تلك الأحكام تنصُّ على أنَّ حماية حرِّيَّة التعبير تظلُّ مكفولة طالما تضمنت حدًّا أدنى من المردود الاجتماعي النافع، ونصها بالإنجليزية كما يلي:

( A minimum of social redeaming value )

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير