تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[محراب النور]

ـ[عمر الريسوني]ــــــــ[26 - 11 - 08, 04:14 م]ـ

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

في يوم جميل من أيام الله الخواليا، خرجت أبحث عن السكون وراحة البال والسكينة بعيدا عن ضوضاء المدينة وصخبها، كان الجو صحوا وزرقة السماء تغطي الآفاق، جلست تحت ظلال شجرة صفصاف كبيرة وارفة الأغصان وهي تتمايل في تماوج بفعل الرياح فتحدث فجوات تتخللها خيوط الشمس الذهبية فتزيد المكان بهجة ورونقا، كان حقا مشهدا رائعا وأنا أتأمل من الأعالي تلك الروابي الممتدة بعيدا والجبال المتناثرة هنا وهناك فوق بساط شديد الخضرة، كانت الطيور تحلق في حبور وهي تعانق أغصان الأشجار في وداعة وتشدو في حنو وتطرب طرب حفيف الأشجار الذي يلفها فتوقظ سمعي المرهف ليتقد لدي احساس مفعم تتناغم فيه سنفونية الحياة في بهاء المنظر ووداعة البشرى بين يدي الرحمة.

تمالكني شعور غريب مليئ بالشوق والحنين وأنا أتأمل هذا المشهد الرائع، فامتد بصري الى آفاق زرقة السماء بحياء، فحمدت الله تعالى على هذا الانعام وهذه الصورة المتكاملة، وهذا التناغم البديع والجلي المرسوم بقدرة وتدبير وعناية، فقلت لنفسي حقا انه الكمال الذي يجعلك تتشوق بحنين وتسمو بمواهبك ومشاعرك الفياضة فتجول بذهنك في هذه المعاني الرحبة والممتدة الى ما لا نهاية محركة كل جزء فيك فيرسم في وجهك ومخيلتك المعنى الحقيقي للحياة وهي تشدو شدوك وتعيش تأملاتك مبدعة تناغما وتكاملا حيا براقا مليئا بكل المعاني السامية.

عشت هذه اللحضات الوديعة في تأمل وسكون، لحضات مفعمة بالصفاء والطهر، لحضات عابرة لا رياء فيها، لحضات تحرك السمع والبصر والقلوب لتبصر حقيقة مرسومة أمامك بقدرة وعناية فتعانقها بشوق، وتتذوقها بوجدانك وتقرأها قراءتك الخاصة بك مستلهمة بواعثك، ولكل منا قراءته لصفحات هذا الكون، فمنهم من قرأ مرآته قراءة جوفاء لا روح فيها، ومنهم من قرأها قراءة مزدوجة فما عقلها، ومنهم من قرأها قراءة متدبرة متبصرة فاستجلوا حقائق عظيمة عاليها نور وبشرها نور ومحبة وصفاء.

وجدت نفسي متوجها الى الحبيب أدعوه بشوق وأناجيه:

الاهي ما أعظمك وما أجلك، الاهي حارت فيك العقول والأفهام وأنت غاية الكمال والبهاء والجمال، الاهي ما أجلك وأنت العزيز الذي حجب نفسه في سرادقات عزه، الاهي اني أسألك أن تعصمني من الزلل وأن تجعل لي من الأمل ما ترضاه لي من عمل، وأن تصفي قلبي وتطهره من كل آفة، وأن تجمع همتي وتحشد فكري وتركز مشاعري وتشرح لي صدري، وأن تقربني اليك ركوعا وسجودا وخشوعا وابتهالا فأنت الغاية والكمال وأنت المطلوب المحبوب وحدك دون غيرك.

فما أعظم أن يتذكر العبد ربه بين الحسن والعز والبهاء والزهر والماء فلا يرى العبد الا نور ربه، وما أعظم بصائر نور القلوب فاذا عرفت أطاعت ودنت وتقربت وعلمت غايتها فأقرت بالوفاء والرضا والحفظ والصبر، فكان نطقها ذكرا وصمتها فكرا ونظرها عبرة.

انها حقا لحضات معبرة عشتها برهة من الزمن في محراب من نور وفي مكان يشهد بالتقديس والتسبيح لله عز وجل، انها لحضات عابرة لكن شاهدة لعظمة الخالق عز وجل انها تجليات محكمة وحكمة جلية في ظواهر ملكه تدلك على صفات عظيمة راسخة ظاهرة للعيان وشواهد على ملك عظيم ومليك مقتدر.

بقلم: عمر الريسوني

< RIGHT>

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير