تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[خطبة جمعة مناسبة لهذه الأيام الشاتية]

ـ[مصلح]ــــــــ[20 - 12 - 08, 08:53 ص]ـ

مع دخول الشتاء

أما بعد أيها الناس:

فإن الله تعالى خلق هذه الدار وجعلها دار عمل وسعي وابتلاء، ورتب على عمل أهلها الجزاء فجعل دارين للجزاء لا تبليان ولا تفنيان هما دار السرور والحبور ودار النار والسعير والزمهرير.

ومن حكمته تبارك وتعالى أن جعل في دار الدنيا ما يذكر بالآخرة فجعل سرور العبد وفرحه بنعمة ربه مذكراً له جنته وفضله، بينما تذكر أحزانُ الدنيا ضيقَ المقام يوم القيامة وتذكر نار الدنيا نار الآخرة دار الخزي والندامة {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ} (73) سورة الواقعة

ومما يذكر بالله وبجزائه: تعاقب الأزمان، فشدة الحر والبرد تذكر بما في جنهم من الحر والزمهرير. أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ? قال قال رسول الله ?: (اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحرّ من سموم جهنم وأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم).

إن المسلم العاقل هو ذلك الذي جعل من الدنيا عبراً ومن تقلباتها عظات وفكراً فلا يكاد يمرّ عليه موقف من مواقف الحياة إلا ربطه بطاعة ربه وأوجب له محاسبة نفسه والعمل على إبلاغها غاية ما تستطيعه من الاستعداد ليوم المعاد.

وللمؤمن من دخول الشتاء واشتداد البرد، للمسلم من ذلك فوائد وعبر كثيرة فكان عليه أن لا يفوته هذا الموسم إلا وقد استفاد مما فيه وتقرب إلى ربه بما يرضيه.

ولقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يفرحون بدخول الشتاء إذ يحدونه مُعيناً لهم على طاعة ربهم إذ أن فيه من المزايا من ليس في غيره.

فمن ذلك طول ليلة بحيث ينامون فيه بغيتهم ثم يقومون لمناجاة ربهم وتهجدهم قد أطمأنت نفوسهم وأخذت مقدارها من النوم من بقاء وقت كاف للتهجد والقيام ومناجاة الحي القيوم.

ومن مزايا هذا الموسم قصر نهاره وبرودته مما يعين على صيامه. قال الإمام ابن رجب رحمه الله: المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش، فإن نهاره قصير بارد فلا يحس فيه بمشقة الصيام.

ويروى عن ابن مسعود ? أنه قال: مرحباً بالشتاء تنزل فيه البركة ويطول فيه الليل للقيام ويقصر فيه النهار للصيام.

وعن عبيد بن عمير أنه كان إذا جاء الشتاء قال: يا أهل القرآن طال ليلكم لقراءتكم فاقرأوا وتقصر النهار لصيامكم فصوموا.

ومن مزايا الشتاء: أنه يدل على قوة الإيمان لدى أولئك النفر الذين فارقوا فرشهم الدافئة وهبوا للتهجد أو لصلاة الفجر يقاسون البرد الشديد وماء الوضوء الذي يلذع الأطراف. فالمؤمن الذي يقاسي البرد ويخرج لصلاة الفجر متلفعاً باكسيته قد استحق إن شاء الله أن يوصف بالصدق وأنه لبى نداء ربه مع كثرة الصوارف والمغريات بتركه.

ومما يعظم أجره ويجزل جزاؤه في هذا الموسم إسباغ الوضوء، فإن النفس تجد من التكاسل عن أسباغ الوضوء أو تجديده من جرَّاء البرد مالا تجده في غير الشتاء ولذلك رغَّبَ حبيبنا ? في أسباغ الوضوء وإكمال التطهر ولو عانى المتوضى من ذلك شدة أو أحسن بصعوبة. ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ? قال: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا بلى يا رسول الله. فقال اسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط.

وفي حديث معاذ ((أن النبي ? رأى ربه يعني في المنام فقال له: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى فقال: في الدرجات والكفارات. قال والكفارات أسباغ الوضوء في الكريهات ونقل الأقدام إلى الجمعات وفي رواية الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة. من فعل وتلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئة كيوم ولدته أمه))

قال الترمذي رحمه الله: هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل [يعني البخاري] عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح.

فيالها من أجور ويالها من درجات عاليات، فالسعيد من شمر وجاهد وسابق إلى فضل الله، والله ذو الفضل العظيم.

إخوة الإسلام:

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير