تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[السؤال اللغز]

ـ[مختصر]ــــــــ[20 - 03 - 09, 03:27 م]ـ

يا له من سؤال كبير، ما أكثر ما يتردد في ألسنتنا ويطرق أسماعنا: ما هو واجبنا تجاه ما تتعرض له أمتنا من أهوال ونكبات؟

سؤال تقرؤه في وجوه أبناء الأمة الغيورين قبل أن تتحرك به شفاههم، فالكل يبحث عن جواب، فهل إلى خروج من سبيل؟

سؤال يقف المرء أمامه بمشاعر مختلطة وأفكار متزاحمة مضطربة لضخامة الهوة بين الواقع والممكن؛ فضلا عن البون بين الواقع وبين متطلبات الخروج من دوائر التخلف والذل واستحقاقات النهوض بالأمة من الكبوة والنكبة.

ومع كون هذا السؤال يمثل لغزاً يستعصي على الحل في نظر كثيرين ويعيي المجيبين فلا عذر في الصد و الإعراض، ولا أقل من مشاركة متواضعة ترسم شيئاً من ملامح جواب هذا السؤال الكبير، محاولة يصورها قول الشاعر:

وما طلب المعيشة بالتمني ولكن ألق دلوك في الدلاء

تجئك بملئها يوما ويوما تجيء بحمأة وقليل ماء

فهذا دلوي ألقيه مع الدلاء عسى أن يجيء بالماء، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقد جعلت الجواب في نقاط أحسب أنها ومضات في طريق الحل:

أولاً:

إن من ضرورات حل أي مشكلة من المشكلات وكشف النوازل والنائبات شعورنا بالمصيبة والأزمة والنازلة، فإنه أولى الخطوات في طريق الحل، وأحسب أن جمهور الأمة يدرك أننا في مأزق حقيقي متشعب، وإن كانت الاجتهادات والآراء قد تختلف في توصيفه.

ثانياً:

الإدراك الصحيح لحجم المصيبة دون تهوين أوتهويل، فإن كلا المسلكين عائق يحول دون المعالجة السليمة. فالتهوين يفضي إلى الاسترخاء وترك ما يجب من العمل، والتهويل ينشر مخايل اليأس، ويقطع حبل الرجاء، فيقعد عن الممكن من العمل.

ثالثاً:

من لوازم الوصول إلى تقويم صحيح لحجم النازلة رصد تداعياتها واستشراف مآلاتها، فإن من لم يدرك حقيقة مصابه وحجم بلائه لا يحسن الخروج منه، وقد قيل: لا يعرف البحر إلا سابح. فلا بد من رصد وتحليل وقراءة صحيحة للأحداث والوقائع وربط بينها لتكتمل الصورة وتتضح.

رابعاً:

بث روح الأمل وبعثه في النفوس والاستبشار بوعد الله والتبشير به، فإنه مهما اشتدت الخطوب وادلهمت النوائب فإن نصر الله آت لا محالة، فقد قال الله تعالى لمن استبطؤوا النصر: ? أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ? (البقرة: 214)، وقال جل وعلا: ?وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ? (الروم: 47)، فحصول النصر لأمتنا أمر لا تتراجع عنه آمال المؤمنين، ولا يضعف فيه رجاؤهم، ولا يخامرهم فيه ريب ولا شك، ?فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً? (الشرح: 5 - 6). فلا بد من تلمس بوارق الفرج من بين سدوف الكروب، فالفجر يخرج من رحم الظلام.

كم حادث قد رآه الناس يهلكهم وآل من لُطفه فيهم إلى النعمِ

خامساً:

بذل الوسع في إصلاح حال الأمة رفعاً لمصابها إن أمكن أو تخفيفاً لآلامها، فإن عملية إصلاح حال الأمة والنهوض بها تدور على محورين رئيسين: إزالة المفاسد ورفعها فإن لم يمكن فتخفيفها وتقليلها. وليستصحب المسلم أن الإصلاح عملية تراكمية قد لا تبدو نتائجها ولا تجنى ثمارها إلا بعد حين.

سادساً:

توسيع دائرة المشاركين في الإصلاح والنهوض بالأمة من كبوتها فعلى كل فرد، مهما كان موقعه، واجب المشاركة في إصلاح واقع الأمة وبناء مستقبلها، كل حسب طاقته وبالذي مكنه الله منه، فليس الإصلاح وظيفة فئة من فئات الأمة، ولا شريحة من شرائحها، بل هو واجب كل مؤمن ومؤمنة كما قال تعالى: ?كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ? (آل عمران: 110) وقال أيضاً: ?وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ? (التوبة: 71).

سابعاً:

إن شدة وطأة الكروب المتوالية والبلايا المتلاحقة وجسامتها لا تسوغ لنا اعتساف الخطا في الإصلاح ولا أن نسلك مسالك الردى لبلوغ الغايات العليا، فإنه لا يجنى الشفاء من السقام. بل الواجب بذل الجهد في الاستمساك بأعظم عروة نخرج بها من البلاء مهما عظم، وهي ما ذكره الله تعالى في كتابه: ? لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ? (آل عمران: 186). وقال في الآية الأخرى: ?وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ? (آل عمران: 120). فالواجب الاستبصار والتأني والتمييز بين ما يصلح ومالا يصلح فليس الشديد بالصرعة بل الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب كما قال النبي e فيما رواه البخاري (6114) ومسلم (2609) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ثامناً:

إن من ضرورات مواجهة الأزمات اجتماع الكلمة ورص الصفوف وتحقيق الأخوة الإيمانية حتى مع اختلاف الآراء في طرائق الإصلاح وأولوياته. فإن للاختلاف في أوقات الفتن آثاراً بالغة الخطورة؛ فهي من أعظم أسباب الفشل والاضمحلال، ولذلك نهى الله أهل الإيمان عن الاختلاف عموماً، وفي مواطن القتال خصوصاًَ، فقال تعالى: ? وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ? (لأنفال: 46). ولذلك فإن الواجب على أهل الإيمان أن يكونوا صفاً واحداً ملتحم البناء يشد بعضه بعضاً ولا يلزم من هذا أن تتوحد أقوالهم وآراؤهم بل لابأس باختلاف الأقوال والآراء إذا لم يمتد إلى القلوب والأفئدة، فإن كثيراً من مثارات الخلاف ومواطن اشتباك الآراء في طرائق الإصلاح وسبل النهوض بالأمة يكون الحق فيها موزعاً بين المختلفين. فالواجب أن نربي أنفسنا على سعة الصدر ورحابة الفؤاد وأن نشيع بيننا روح التناصح والتعاذر بدلاً من مسلك التقاطع والتهاجر.

منقول

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير