تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[((لباس العلم))]

ـ[ذو المعالي]ــــــــ[30 - 10 - 07, 08:22 ص]ـ

18/ 10/1428

((لباسُ العلم))

للعلومِ آثارُها التي تنطبعُ على المشتغلِ فيها، و لها مظاهرها الحاكيةُ حقيقة القصدِ في السعي في تحصيلها، و لا يتخلَّفُ ذلك في شيءٍ من المعارفِ و العلوم، لأنَّ العلمَ و المعرفةَ تنميةٌ للعقلِ و تربيةٌ للفكرِ و هذا له من العائد على الشخصِ ما يُبيِّنُ للغيرِ مدى انتفاعه من اشتغاله بمعارفه و علومه.

ليست المعارفُ تكثيرٌ للزخمِ المعلوماتي و المعرفي في الذهنِ فحسب، بل هيَ نقلٌ للمعاني من خلالِ ضبط المباني، و تحقيقٌ للإحكام بإتقانِ الأحكام، فقصدُ العلمِ رصدُ الحِلم، فالعلوم و المعارفُ تربطُ بين الظاهرِ و الباطن عند المشتغلِ بها و في تحصيلها، فيكون للباطنِ أثرُه على الظاهرِ، و للظاهرِ دلالةٌ على الباطن، و الاعتبارُ بشواهد المقاصد، و الاستئناسُ ببوادر المظاهر.

أشاد كثيرٌ ممن اشتغل بالتربية للمشتغلين بالتعلمِ إلى مراعاةِ ((لباس العلم)) و الاهتمام به، و يُعنى بِه الأدبُ، فلم يُخلوا كتاباً من إشارةٍ إلى ذلك، إن لم يكن ثمةَ صريحِ عبارة.

و ((لباس العلم)) له مجالان:

الأول: الذات، عنايةُ الشخصِ في تحسين لباسِ العلم و أدبه في ذاته من أولى ما أوْليَ اهتماماً، و من أحرى ما أعطيَ عنايةً، لأنَّ في صيانة الشخصِ ذاته، و رعاية أدبه في نفسه تحقيقٌ لكينونة ذلك مع الغير، و متى كان ذلك غائباً عن وعي الشخصِ، و مُهمَلاً من طرفِه، فلم يُوليه اهتماماً كان فسادُ العلمِ عليه أكثرُ من الإصلاح، لأنَّ العلمَ حيثُ لا تأديبَ و لا تهذيبَ فلا ترتيبَ.

و لباسُ الذات له محلاَّن:

أولهما: باطنٌ، فيُعنى الشخصُ صاحبُ العلم و المعرفة بتحسينِ باطنِ حاله، و تصفيةِ سِرِّ نفسِه، من حيثُ مراقبةُ القلبِ و ما يميلُ إليه، و تقلباتِ النفسِ مع رُعوناتها و هاويةِ الهوى، و كذلك في تهذيبِ الروح في الإقبالِ على مقاصدِ العلوم، و غاياتِ المعرفة، فيكون حالُه في ذلك كلِّه أشبَه بالكمالِ، على قدر الاستطاعة و الجهد.

ثانيهما: ظاهرٌ، في صيانةِ الخُلُقِ، و الاتصافِ بالمروءةِ، و رعايةِ حقِّ العلمِ، و حفظِ جانبِ أهلِه، فلا يكونَّنَّ ثغرةً مهملةً على المعارف و العلوم بزلةٍ و إهمالٍ يبدرانِ منه، و لا يكونَّنَّ شامخاً بِقِصَرٍ، و لا متعملقاً و هو أقزم، و لا دعياً و هو خِلْوٌ، فللعلمِ حقٌّ يأخذه من صاحبه نقداً لا نسيئةً متى لم يُؤَدَّ.

الثاني: الغير، فمُحَصِّلُ العلوم و المعارف سيكون له معَ فنونه صولاتٌ و جولاتٌ، في تبليغٍ و نشرٍ، و إيضاحٍ و فَسْرٍ، و كشفٍ لِسَتْرٍ، معَ أهلِ فنِّه أو مع من خالفَ، و سيكون له مع الكلِّ أخذٌ و ردٌّ، و تعقيبٌ و ترحيبٌ، و ذلك يُلزمه أن يكون واقفاً في إظهارِه لباسَ علمه بأمورٍ ثلاثة:

أولها: أدبُ المخالفة، لا يكاد يتفق الكلُّ على شيءٍ، لِعَوْدِ ذلك للفهومِ في إدراك مقاصد المعلوم، و الفهوم متفاوتةٌ متباينة، كما تتفاوتُ العقول، لأنَّ الفهمَ نتاجُ عملِ العقلِ، و العقلُ إدراكٌ لمقاصد العلم و المعرفة، و وسائل الإدراك و مداخلِه ليست على نَسَقٍ و لا على سابلةٍ ثابتةٍ راسخة، عندئذٍ كانت المراعاةُ لأدبِ المخالفةِ في استعراضِ الفهمِ و تحليلِ مجيئه، معَ أدبٍ في العَرْضِ، و علمٍ في الطرحِ، و برهانٍ عند الإيراد، و إعذارٍ عند الاعتراض، ليكتملَ نَظمُ التحقيقِ للمعلومِ على وجْهِ الحُسْنِ، و يُحفَظُ الوِدُّ.

المعارف و العلومُ تُلهمُ صاحبَها حينَ يُدركُ حقائقَها أن يكون في دائرة الانحيازِ معَ الغيرِ، حيثُ ما يحويه مما يذهبُ إليه منتصراً قد يكون ريباً، و الذي في معزلٍ عن حقائق العلوم و المعارفِ و يأخذُ منها بطرفٍ ضعيفٍ فإنه باقٍ في دائرةِ الحيادِ لإيحاءِ نقصِ تحصيلِه بأنَّ ما لقيَ كثيرٌ فيعتقدُ أن في يقينٍ و أنْ ليسَ إلا الخطأ، فيلجأ الأولُ المُدركُ للحقائق المعرفية إلى رعاية أدب المخالفة، و يلجأُ الثاني إلى نقضِ ذلك، فيهدمُ المصلحةَ الكبرى بتحقيقِ مصلحته الصغرى.

ثانيها: جمالُ المعاملة، في الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه و سلم " الدين المعاملة " فقيامُ الدينِ على ذلك، حيثُ الإحسانُ في العِشرة، و الإتقانُ في تحقيق المقصدِ، و المعاملةُ تحققها بإدراكِ مقاصدِ العلوم، لم يكن الدينُ قائماً على المعالمة فحسب دون المعاملة، فالمعالمةُ عندما تتخلفُ المعاملةُ تُورثُ كبراً و فساداً عريضاً لغيابِ أثر المعالمة، و المعاملةُ إن كانت في شخصٍ دفعته لأخذ العلوم بانكسارٍ و خضوعٍ، فالأولُ في جهلِه مركباً و الثاني بسيطاً، و بينهما فرقٌ.

ثالثها: النصيحة، على وفقِ المحبة، و قصد الرحمة، على جادةِ الأدب، و قانون الخُلُقِ، و بدون ذا ضياعٌ للمعارف و العلوم، و انصداعٌ في جدارِ المصالح الكبرى، و قطعٌ لرحم العلوم و المعارف، و الرحم الموصولةُ موصولٌ صاحبها، و القاطع مقطوع، و كلٌّ يقصد حيث أراد.

((لباس العلم)) حيثُ غابَ عنا رأينا خللاً في علومٍ و معارف، و حيثُ أُهملَ دبَّ إلى الصفِّ داءُ أنصاف المتعالمين، و حيثُ رُوعيَ كان الاكتمالُ، و تحقيق البناءِ و الإعمار.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير