تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[درة ثمينة!:وصية الحسن إلى عمر بن عبد العزيز.]

ـ[جهاد حِلِّسْ]ــــــــ[28 - 10 - 10, 09:31 م]ـ

[صبر نفسك أخي المبارك، على ألا تخرج من هذه الصفحة، إلا وقد قرأت هذه الموعظة الجليلة.]

عن أبي حميد الشامي قال؛ كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز:

اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى وإن كان كان كثيرا يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزاً

واحتمال المؤونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مؤونة باقية

فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة التي قد تزينت بخدعها، وغرت بغرورها، وقتلت أهلها بأملها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة.

العيون إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة، ولألبابها دامغة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة.

فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع، ولا العارف بالله والمصدق له حين أخبر عنها مدكر،

فأبت القلوب لها إلا حباً، وأبت النفوس بها إلا ضنا، وما هذا منالها إلا عشقا. ومن عشق شيئا لم يعقل غيره ومات في طلبه ولم يظفر به، فهما عاشقان طالبان لها؛ فعاشق قد ظفر بها واغتر وطغى ونسي بها المبدأ والمعاد. فشغل بها لبه، وذهل فيها عقله، حتى زلت عنها قدمه، وجاءته منيته، فعظمت ندامته، وكسرت حسرته، واشتدت كربته، مع ما عالج من سكرته، واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه، وحسرة الموت بغصته، غير موصوف ما نزل به.

وآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته فذهب بكربه وغمه لم يدرك منها ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب والنصب، خرجا جميعا بغير زاد، وقدما على غير مهاد،

فاحذرها الحذر كله فإنها مثل الحية لين مسها وسمها يقتل، فاعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها،وضع عنك همومها لما عاينت من فجائعها، وأيقنت به من فراقها وشدد ما اشتد منها لرخاء ما يصيبك، وكن أسر ما تكون فيها،

احذر ما تكون لها فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له أشخصته عنها بمكروه، وكلما ظفر بشيء منها وثنى رجلا عليه، انقلبت به.

فالسار فيها غار والنافع فيها غداً ضار، وُصِل الرخاء فيها بالبلاء، وجُعل البقاء فيها إلى فناء، سرورها مشوب بالحزن، وآخر الحياة فيها الضعف والوهن، فانظر إليها نظر الزاهد المفارق ولا تنظر نظر العاشق الوامق. واعلم أنها تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المغرور الآمن، لا يَرجِع ما تولى منها فأدبر ولا يُدرَى ما هو آت فيها فينتظر. فاحذرها فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة،

عيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر.إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما منية قاضية، فلقد كدّت عليه المعيشة إن عقل، وهو من النعماء على خطر، ومن البلوى على حذر، ومن المنايا على يقين،

فلو كان الخالق تعالى لم يخبر عنها بخبر، ولم يضرب لها مثلاً، ولم يأمر فيها بزهد، لكانت الدار قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله تعالى عنها زاجر، وفيها واعظ؛ فما لها عند الله عز و جل قدر، ولا لها عند الله تعالى وزن من الصغر، ولا تزن عند الله تعالى مقدار حصاة من الحصا، ولا مقدار ثراه في جميع الثرى، ولا خلق خلقا - فيما بلغت - أبغض إليه من الدنيا، ولا نظر إليها منذ خلقها مقتاً لها،

ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه و سلم بمفاتيحها، وخزائنها ولم ينقصه ذلك عنده جناح بعوضة،فأبى أن يقبلها. وما منعه من القبول لها، ولا ينقصه عند الله تعالى شيء إلا أنه علم أن الله تعالى أبغض شيئا فأبغضه،وصغر شيئا فصغره، ووضع شيئاً فوضعه، ولو قبلها كان الدليل على حبه إياها قبولها، ولكنه كره أن يحب ما أبغض خالقه، وأن يرفع ما وضع مليكه.

ولو لم يدله على صغر هذه الدار إلا أن الله تعالى حقرها أن يجعل خيرها ثواباً للمطيعين، وأ ن يجعل عقوبتها عذاباً للعاصين، فأخرج ثواب الطاعة منها، وأخرج عقوبة المعصية عنها.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير