تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[من درر الفوائد للشيخ عبدالكريم الخضير]

ـ[رودريقو البرازيلي]ــــــــ[11 - 04 - 08, 11:32 م]ـ

القابض على الجمر

الشيخ/ عبد الكريم الخضير

حديث أنس بن مالك -رَضِيَ الله عنهُ- قال: قال رسُولُ الله -صلَّى الله عليهِ وسلَّم-: ((يَأْتِي على النَّاسِ زَمَان القَابِض على دينِهِ كالقَابِض على الجَمر)) نعم الشَّخص المُسْتَقِيم على دينِ الله -جلَّ وعلا- فِي بعضِ الأوْقَات، وفِي بعضِ الأَمَاكِنْ لا سِيَّمَا في آخِر الزَّمَان حِينَمَا تَكْثُرُ الفِتَنْ لا شَكَّ أنَّ المُلْتَزِم المُتَمَسِّك بِدِينِهِ وضْعُهُ شَدِيد، وحَيَاتُهُ مُقْلِقَة تَجِدُهُ فِي نِزَاع وفِي صِرَاع مَعَ أَهْلِهِ، مَع جِيرَانِهِ، مَع نَفْسِهِ الأَمَّارَة كالقَابِضْ عَلى الجَمْر، فهُو مع قَبْضِهِ على الجَمْر يُصَارع ويُعاني بس متى يُفْلِت من هذا الجَمْر على مَشَقَّة وعلى شِدَّةٍ شَدِيدَة؛ فَعَلَى الإنْسَان أنْ يَسْعَ جَاهِداً أنْ يُحَافِظْ على دِينِهِ، وأنْ لا يَتَنَازَلْ بِشَيْءٍ مِن دينِهِ مَهْمَا كَلَّفَهُ الأمْر حتَّى يَلْقَى الله -جلَّ وعلا-، وأمَّا مَنْ يَتَنَازَلُون عَن - نَسْأَل الله السَّلامة والعَافِيَة- عن دين، عن عِرْض في مُقَابِل عَرَض الدُّنْيا، وأَخْبَر النَّبِي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- عن فِتَنْ تَكُون فِي آخِر الزَّمَانْ يُصْبِح الرَّجُلُ مُؤمِنْ ويُمْسِي كَافِر، يُمْسِي مٌؤْمِنْ ويُصْبِحْ كَافِر، كُل هذا مِن المُغْرِيَات والمُلْهِيَات والضُّغُوط الشَّدِيدَة، الضُّغُوط النَّفْسِيَّة، الضُّغُوط الأُسَرِيَّة، الضُّغُوط الاجْتِمَاعِيَّة، لا يَجِد مَن يُعِينُهُ على الثَّبَات، فَلْيَحْرِص الإنسان على أنْ يَعْتَصِم بِكِتَابِ الله -جلَّ وعَلا-، وأنْ يَكُون دَيْدَنُهُ النَّظَر فِي كِتَاب الله، وأَنْ يَقْرَأ القُرْآن على الوَجْه المَأْمُور بِهِ، وهذا هو المُعِينْ، وهُو المُثَبِّتْ بإذنِ الله -جلَّ وعَلا- والمَخْرَجْ فِيهِ مِنْ جَمِيع الفِتَنْ.

أَلا تَظُنّ أنَّكَ تُبْعَثْ؟!

{أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} [المُطَفِّفِين/4 - 5] يعني أُولَئِكَ العُصَاة الذِّين يُطَفِّفُونَ المَكَاييل والمَوازِينْ، ويَغُشُّونَ النَّاسْ، ويُدَلِّسُونْ ويُلَبِّسُونْ عليهم، {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينْ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو وَزَنُوَهُمْ يُخْسِرُونَ أَلاَ يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ} [المُطَفِّفِينْ/ 1 - 4] ويُمْكِنْ أنْ يُخَاطَبْ بهذا كُلّ عَاصِي، كُلّ عَاصِي يُخاطَبْ ... أَلا تَظُنّ أنَّكَ تُبْعَثْ؟! يعني وإنْ صَدَّقْتَ بِلِسَانِكَ، فَفِعْلُكَ فِعْلُ مُكَذِّبْ، وإذا كان بعضُ السَّلَفْ يَقُول: "ما عَرَضْتُ عَمَلي على قَوْلِي؛ إلاَّ أَجْزَمْتُ أنِّي مُكَذِّبْ" القَوْل طَيِّبْ، وجَمِيلْ ومَقْبُول؛ لَكِنْ إذا عُرِضْ على العَمَلْ وُجِدْ البَوْنْ الشَّاسِعْ! {أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المُطَفِّفِين/4 - 6] هذا اليَوْم المَهُولْ الذِّي يَقِفُ فيهِ النَّاسْ، والشَّمْسْ تَبْعُدُ عنهم قَدْر مِيلْ! الآن كم بُعْدْ الشَّمْسْ عن النَّاسْ؟ المَسْأَلَة خِلاف أَصْفَارْ ما هو بواحِدْ واثنين! يعني ما عِنْدَهُم مَوازِينْ دَقِيقَة يمكن ... ، مَسْأَلَة صَوْتْ، سُرْعَة الصَّوتْ يَقِيسُونْ، المَقْصُودْ أنَّها ملايينْ كثيرة كثيرة جدًّا بِيننا وبين الشَّمسْ، ومع ذلك لو خَرَجْت في هذهِ الأيَّام وقت الزَّوال حَاسِر الرَّأْسْ لا تُطِيقْ؛ بَلْ قَدْ تُصَابْ بضَرْبَة شمس اللي يُسَمُونهُ! وبَيْنَكَ وبينَها هذهِ المَلايِينْ من المَسَافاتْ! إذا كَانْ مِيلْ، الفَرْق بينَكَ وبينها مِيلْ واحِدْ! أَحْيَاناً العَرَقْ يَغْسِل الجَسَدْ كُلُّه، يَغْسِل الثَّوبْ! والعَرَبْ تَقُول: غَسَلَهُ العَرَقْ! ويَسْتَدِلُّونَ بذلك أنَّ الدَّلْك ليسَ من مُسَمَّى الغَسْلْ! غَسَلَهُ العَرَقْ فكيف يَصِلْ العَرَقْ يَصِلْ سَبْعِينْ ذِرَاعْ! ((يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ)) يَطْلَعْ على الأرْضْ؛ لكنْ بِقَدْرِ الأعْمَالْ، مِنْهُم من يَصِلْ العَرَقْ إلى كَعْبَيْهِ، ومِنْهُم مَنْ يَصِلْ إلى حِقْوَيْهِ، و مِنْهُم مَنْ يُلْجِمُهُ، على قَدْرِ أعْمَالِهِم، أَعْمَالُكَ رَاحِلَتُكَ التِّي تَحْمِلُكْ، أَعْمَالُكَ غِطَاؤُكَ الذِّي يُغَطِّيكْ مِمَّا يُؤْذِيكْ، حِجَابُكَ الذِّي يَحْجِبُكْ ويَسْتُرك، هذا عَمَلْكْ {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المُطَفِّفِين/6].

أَثَرْ رُؤية ومُجَالَسَة الصَّالِحِينْ

لا شكَّ أنَّ المُجالسة لها أثر على النَّفْس، وكم منْ شَخْص أَثَّر في النَّاسْ بمرآهْ فقط قبل أنْ يَتَكَلَّم، وكثيرٌ من أهل العلم إذا تَرجمُوا لِشيُوخهم يذكرُون شيئاً من ذلك، وأنَّهُم يستفيدُون من رُؤْيَة الشيخ أكثر من عِلْمِهِ، وذَكَر ابن الجوزي في ترجمة أحد شُيُوخِهِ في فَهْرَسَتِهِ أنَّهُ استفاد من بُكائِهِ أكثر من فَائِدَتِهِ مِنْ عِلْمِهِ؛ ولا شكَّ أنَّ مثل هذا مُؤثِّر جدًّا، رُؤية الشيخ العامل بِعِلْمِهِ، الدَّاعِي إلى عِلْمِهِ المُعلِّم، مُعلِّم النَّاس الخير؛ لا شكَّ أنَّهُ مُؤثِّر، قد لا يَتَيَسَّر لكثيرٍ من النَّاس زِيارة مثل هؤُلاء، إنْ تيسَّر فَلْيَحْرِص على ذلك، إنْ لم يَتَيَسَّر؛ فَلْيَقْرَأْ في أخْبَارِهِمْ، أخْبَار هؤُلاء الأخيار، وهؤُلاء الصُّلَحَاء، وعلى رَأْسِهِم مُقدَّمُهُم -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-؛ فلْيُدِمْ النظر طالب العلم في سيرتِهِ -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-، ويُسْمِعها غيره مِنْ عامَّة النَّاس؛ لكي يَقْتَدُوا بِهِ، ويَأْتَسُوا بِهِ، من ذلكم سِيَر الصَّالحين من الصَّحابة والتَّابعين؛ لا شكَّ أنَّ لها أثَراً كبيراً في نُفُوسْ النَّاس، وفيها أيضاً شَحْذ الهِمَم من حيث الإقتِدَاء والائتساء بهم.

منقول من موقع الشيخ

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير