تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

الطرفين، وتراضى الطرفان؛ فإن معنى ذلك أن يرتفع الخلاف والنزاع، وتنقطع الخصومة، ومن هنا قال العلماء رحمهم الله في هذا التعريف: (معاقدة توجب رفع الخلاف). وبعض العلماء يقول: معاقدة توجب رفع الخلاف ودفعه، وهناك فرق بين الرفع والدفع، كما نبه عليه السيوطي في قواعد الفقه، وكذلك ابن نجيم في الأشباه والنظائر، وهو أن الرفع يكون لما وقع، والدفع يكون لشيءٍ لم يقع. فإن الصلح تارةً يُقصد منه رفع الخلاف بين الطرفين، كرجلٍ خاصم رجلاً ووقع النزاع بينهما، فجاء رجلٌ ثالث وأصلح بينهما، فإن الخصومة قد وقعت، ولكنها بالصلح ارتفعت، فيقال: رفع خلاف. وتارةً يكون الصلح قبل النزاع، فإذا جاء رجل إلى رجل، وقال له: هذه الأرض لي، فقال الآخر: بل لي، وقبل أن يقع بينهما الشجار توسّط ثالثٌ فقسمها بينهما، فحينئذٍ يكون دفعاً للخلاف، أي أن الصلح وقع في مرحلة سابقة للخصومة والنزاع. وأياً ما كان فالصلح يقع قبل الخصومة، أي: قبل وقوع النزاع والخلاف والشجار والآثار المترتبة، وقد يقع بعد ذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى يدفع بهذا الصلح النزاع، ويدفع أيضاً عن عباده أثر وضرر العداوات والشحناء، وما يكون مترتباً على النزاع بينهم. ...... الأدلة على مشروعية الصلح وقد شرع الله عز وجل الصلح بكتابه، وبسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأجمع العلماء رحمهم الله على مشروعية الصلح بين المتخاصمين. ...... الأدلة من الكتاب أما دليل الكتاب فإن الله سبحانه وتعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1]، فأمر الله عز وجل أن نصلح ذات بين المسلمين، لما في ذلك من خير الدنيا والدين، فندب عباده وحثّهم على ذلك، وقال سبحانه وتعالى مبيِّناً فضل هذا الأمر وعاقبته الحميدة: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128]، فشهد من فوق سبع سماوات أن جمع القلوب وائتلاف الأرواح بالصلح فيه خير، ثم لما قال سبحانه: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128]، جاءت كلمة (خير) نكرة. فمن هنا قال بعض أئمة التفسير: إنه لعظم الخير المترتب على الصلح، جاءت بهذه الصيغة؛ لأن النكرة تفيد العموم والكثرة، أي: فيه خير الدين والدنيا والآخرة. وكذلك ندب الله عز وجل إلى الصلح بين الزوجين فقال: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء:35]، فأخبر سبحانه وتعالى أنه معينٌ وظهير لمن سلك هذا المسلك المحمود، وهو الصلح بين الناس، فإن الله يعينه ويوفِّقه ويسدِّده، فيعينه على عناء الخصومة، فتجده ينتقل من هذا إلى هذا، فيسهر ليله ويتعب في نهاره، ويكثر الخصوم بين يديه اللغط واللجاج والصياح، وهو مع ذلك صابر مصطبر لعلمه بعظيم الثواب عند الله، فيعينه الله، ثم إذا جاء يتكلم بين المتخاصمين سدّد الله قوله، وقوّم لسانه، لأن المصلح يدعو إلى ما دعا الله إليه من ائتلاف القلوب، فهو محصِّلٌ لمقصود الشرع، وهو داعي الله. وأما من كان مفسداً والعياذ بالله فإنه يدعو بدعوة الشيطان ولذلك يبوء بالخيبة والخذلان، فإذا نظرت إلى أهل الصلح وجدت عندهم من الصبر والتحمل، وبعد النظر، وسداد القول، والرشد، وحسن العاقبة، ما لا تجده عند غيرهم، ولا يزال الناس بخير ما بقي فيهم أمثال هؤلاء. وقد شهد الله من فوق سبع سماوات أن من فضل المجالس أن تُعمر بالصلح بين المتخاصمين، فقال سبحانه وتعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]، فأخبر سبحانه وتعالى أن المجالس إذا عُمرت بالصلح بين الناس، وبالدعوة إلى جمع القلوب، وائتلاف الأرواح؛ فإنها مجالس خير وبر، وأخبر سبحانه وتعالى أنه متكفِّلٌ بثواب أهل الصلح، فقال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ [النساء:114]، ولكن بشرط: ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ [النساء:114]، أي: طلباً لرضوان الله عز وجل، قال بعض العلماء: فيه دليل على أن الصلح طريقٌ لرضوان الله عن العبد، وهذا أمر لا يُشك فيه، فإنك إن وجدت الرجل معروفاً بجمع القلوب، ويُحبِّب الناس بعضهم إلى بعض، ووجدته يسعى في جمع المفترقين، ولم شمل المتخاصمين، وجدته

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير