تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[حقوق أهل العلم على الأمة،، للشيخ حاتم الشريف]

ـ[خليل بن محمد]ــــــــ[27 - 10 - 04, 08:23 ص]ـ

حقوق أهل العلم على الأمة

د. الشريف حاتم بن عارف العوني

18/ 6/1425

04/ 08/2004

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين. أما بعد:

فإن الحديث عن حقوق أهل العلم وعن واجب الأمة تجاههم حديثٌ جليل؛ لأنه حديثٌ عن أحد أهمّ الحقوق وأعظم الواجبات، بل هو حديث عن عزّة أمّةٍ ورفعة شأنها، أو عن ذلّتها وهَوَانِ أمرها، بل عن بقائها أو زوالها.

ولكي لا يُظن بهذا الكلام أني أبالغ، فلنأخذ الحديث من آخره، من أن الحديث عن حقوق أهل العلم وعن واجب الأمة تجاههم هو حديثٌ عن بقاء الأمة أو زوالها. فهل يشك عاقلٌ في أنّ العلمَ الصحيحَ هو والحق لفظان مترادفان، فلا يكون العلم علماً صحيحاً إلا وهو حق، وعليه: فالعلم هو الحق، وأما الباطل فإنه هو الجهل، ثم هل يشك عاقلٌ أن الحق هو الثابت الباقي، وأن الباطل هو الزائل الفاني، كما قال تعالى: "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً" [الإسراء:81]، إذن فالعلم (الذي هو الحق) به يكون الثبات والبقاء، والجهل الذي هو الباطل، به يكون الزوال والفناء، ولا شك أن العلم والجهل وصفان لا قوامَ لهما بذاتهما، إنما قوامهما بمن يتّصف بهما، فلا علم إلا بعالم، كما أنه لا جهل إلا بجاهل، ومعنى ذلك: أنّ العلماء الذين حملوا الحقّ، إذا علّموه ونشروه، فقد علّموا الحق ونشروه، فكان ذلك إشاعةً للحقّ في الأمّة، ذلك الحق الذي هو الثبات والبقاء لها، وأمّا إذا أُضيعَ علمُ العلماء، فاستبدلت الأمةُ الجهل بالعلم، أي الباطل بالحق، فقد قضت على نفسها بالزوال والفناء.

أرأيت؟! كيف كان الحديث عن حقوق أهل العلم على الأُمّة هو حديثنا عن بقائها أو زوالهما؟!.

أما وقد تَبَيَّنْتَ صحّةَ ذلك، فلا حاجةَ بعده إلى أن أبيِّنَ لك أن ذلك الحديث هو حديثٌ أيضًا عن عزّة الأمة ورفعة شأنها، أو عن ذلتها وهوان أمرها؛ لأنّ العزّة والرفعة لا تكون بغير الثبات والبقاء؛ ولأنّ الذلّة والهوان هما الزوال والفناء! أو (إن لم تّعِ ما الذلّ والهوان) فهما سبيلا الزوال والفناء!.

إذن فالحديث عن حقوق أهل العلم على الأمّة هو حديثٌ (في الحقيقة) عن حقوق الأمّة على الأُمّة، فالأمّة بحفظ وأداء حقوق علمائها تقوم بما يحفظ لها بقاءها وثباتها، ويؤدّي عنها واجبَ عزّتها ورفعة شأنها، ونحن عندما نتحدّث عن حقوق العلماء على الأمّة، إنما نتحدّث عمّا يعود بأعظم النفع والخير على الأُمّة نفسها. فليس أداء تلك الحقوق مُكوسًّا وضرائب ينتفع بها العلماء وحدهم، ولا هي تفضُّلٌ وتَبرُّعٌ من الأُمّة لعلمائها، بل هي قواعدُ العز والتمكين للأمّة، وأُسُسُ التقدُّم والرُّقيّ، وأصول الحضارة والعلم، فأوّل منتفعٍ بأداء حقوق العلماء هو المؤدِّي لها، وأوّل خاسر هو المضيّع لها. من هنا كان الحديث عن حقوق أهل العلم حديثاً جليلاً! ومن هنا أيضاً نعلم أنّ الحرص على أداء حقوق أهل العلم ينبغي أن يكون نابعاً من حرص الأمة على بقائها وعزّتها، لا أن يكون نابعاً فقط من الشعور بواجب الشكر لمن أحسنَ إليها (وإن كان هذا حسناً)، ولا أن يكون نابعاً من الاعتراف بالفضل لذوي الفضل (وإن كان هذا جميلاً)، ولا من غير ذلك وحده .. بل لابُدَّ من أن نستشعر ونحن نؤدِّي حقَّ العالم أنّنا بأدائه نؤدِّي حقَّ أنفسنا، وأننا نحن أول من سيجني الفائدة الكبرى من هذا الأداء لحق العالم.

فإذا ما أردنا بعد ذلك أن نذكّر ببعض حقوق أهل العلم، فإنني أبدأ بحقّ يؤسفني أن أبدأ به، وهو أن أول حقّ العالم على أمّتَّه هو حقّ المسلم على المسلم! نعم .. لقد بلغ ببعض الأُمّة، بل ببعض خواصّ الأُمّة، أن ضيّعوا من حقوق العلماء حتى حقَّهم في الأخوّة الإسلاميّة، فظلموهم وخذلوهم وقت حاجتهم إليهم، وأسلموهم إلى أعدائهم، واستباحوا غيبتهم بالشتم والوصف القبيح، وأساؤوا فيهم الظنون!! مع أن أضدادَ ذلك كلّه هو من حقّ المسلم على المسلم!! فأول حق العالم على أُمّته المسلمة أن يُوفُّوه حقَّه الإسلامي العام، وأن يُنزلوه منزلة بقية المسلمين، بل العدل يقول: إن حقَّ العالم من ذلك الحقّ العام أمكن، وإثمَ الإخلال به أكبر، وقُبْحَ التقصير فيه

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير