تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

الناس الخير صلى الله عليه وسلم، في حفلات الزفاف وآدابه وولائمه، وهي الناحية التي أسرف فيها المسلمون بالبعد عن سنن الإسلام، حتى أوغلوا لا في الجاهلية الأولى التي امتازت- في هذه الناحية- بفطرة العروبة وتحررها من بذخ المترفين، بل في الجاهلية الطارئة التي تشبهت فيها كل طبقة بالطبقة التي سبقتها إلى النار، حتى أصبحت أعباء الزواج وتكاليفه فوق طاقة الناس، فكادوا ينصرفون عنه- وهو في نفسه من سنة الإسلام- لأنهم انصرفوا فيه عن سنن الإسلام، فأوقعهم ذلك في شر أنواع الجاهلية.

وبعد أن تهيأت لهذه الرسالة المناسبة التي عينت موضوعها، تهيأ لها مؤلف من دعاة السنة الذين وقفوا حياتهم على العمل لإحيائها، وهو أخونا بالغيب الشيخ أبو عبد الرحمن محمد ناصر نوح نجاتي الألباني، فوضع بين أيدي المسلمين النصوص الصحيحة والحسنة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آداب الزفاف، وحبذا لو كان قد اتّسع له الوقت وواتته الأسباب، فاستقصى كل ماورد من ذلك في الحياة الزوجية، وآداب البيت، وما ينبغي أن تكون عليه الأسرة الإسلامية. ولكن ظهور الهلال في

[12]

ليلته الأولى، قد يشعر بما يليه من مطالع صفحات القمر حتى يكون بدراً كاملاً.

وكما تهيأ لهذه الرسالة موضوعها والمؤلف الذي يستوفيه، تهيأ لها كذلك المسلم الأول والمسلمة الأولى اللذان آليا أن يكونا قدوة للمسلمين في الاعتدال والتحرر من العبودية للسفاسف والملاهي وتوافه العادات، عندما استخارا الله، فخار لهما أن يبنيا البيت المسلم الطاهر، والأسرة الإسلامية المتحررة من تقاليد الجاهلية الأجنبية عنا، والطارئة علينا. فأرجو الله عز وجل أن يأخذ بيد أخي المؤمن المجاهد الأستاذ السيد عبد الرحمن الباني في جميع مراحل حياته، حتى يحقق له آماله، ملتزماً سنة الإسلام في ذلك ما استطاع.

وأختم هذه الكلمة بأن أضرب لعروسه المسلمة الفاضلة مثلاً من تاريخ نساء العروبة والإسلام، ينبغي لكل مسلمة أن تجعله نصب عينيها، لتكون من الخالدات إن شاء الله.

إن فاطمة بنت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان

[13]

كان لأبيها- يوم تزوجت- السلطان الأعظم على الشام والعراق والحجاز واليمن وإيران والسند وقفقاسيا والقرم وما وراء النهر إلى نجارا وجنوة شرقاً، وعلى مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب الأقصى وإسبانيا غرباً. ولم تكن فاطمة هذه بنت الخليفة الأعظم وحسب، بل كانت كذلك أخت أربعة من فحول خلفاء الإسلام، وهم: الوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، ويزيد بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، ويزيد بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، وكانت فيما بين ذلك زوجة أعظم خليفة عرفه الإسلام بعد خلفاء الصدر الأول، وهو أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز.

وهذه السيدة التي كانت بنت خليفة، وزوجة خليفة، وأخت أربعة من الخلفاء، خرجت من بيت أبيها إلى بيت زوجها يوم زفت إليه وهي مثقلة بأثمن ما تملكه امرأة على وجه الأرض من الحلي والمجوهرات، ويقال: إن من هذه الحلي قرطي مارية اللذين اشتهرا في التاريخ، وتغنى بهما الشعراء، وكانا وحدهما يساويان كنزاً. ومن فضول القول أن أشير إلى أن عروس عمر بن

[14]

عبد العزيز كانت في بيت أبيها تعيش في نعمة لا تعلوا عليها عيشة امرأة أخرى في الدنيا لذلك العهد، ولو أنها استمرت في بيت زوجها تعيش كما كانت تعيش قبل ذلك لتملأ كرشها في كل يوم وفي كل ساعة بأدسم المأكولات وأندرها وأغلاها، وتنعم نفسها بكل أنواع النعيم الذي عرفه البشر، لاستطاعت ذلك. إلا أني لا أذيع مجهولاً بين الناس إن قلت: إن عيشة البذخ والترف قد تضرها في صحتها من حيث يتمتع بالعافية المعتدلون، وقد تكسبها هذه العيشة الحقد والحسد والكراهية من أهل الفاقة والمعدمين، زد على ذلك أن العيشة مهما اختلفت ألوانها تكون مع الاعتياد مألوفة ومملولة، والذين بلغوا من النعيم أقصاه يصدمون بالفاقة عندما تطلب أنفسهم ما رواه ذلك، فلا يجدونه، بينما المعتدلون يعملون أن في متناول أيديهم وراء الذي هم فيه، وأنهم يجدونه متى شاؤوا، غير أنهم اختاروا التحرر منه ومن سائر الكماليات، ليكونوا أرفع منها، وليكونوا غير مستعبدين لشهواتها، ولذلك اختار الخليفة الأعظم عمر بن عبد العزيز- في الوقت الذي كان فيه أعظم ملوك الأرض- أن

[15]

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير