تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

أكان ذلك قبل الهجرة حين خطبها على أبيها، أو كان بعد الهجرة حين بنى بها؟ ويجد أنه حرف عن عمد كلمة (النكاح) التي هي الزواج إلى كلمة (الخطبة)، وأنه جاء إلى أبين حديث و أ صرحه في الدلالة على سن عائشة، وهو القصة التي فيها سعي خولة بنت حكيم فحرفه بالتأويل المنكر، ليستدل به على ضد ما يدل عليه لفظه الصريح، أنها تزوجت بنت ست سنين وزفت بنت تسع، وأن أمها أخذتها يوم الزفاف من أرجوحة كانت تلعب بها بين النخيل، ويجد أنه ادعى أن هناك من يرفع سن عائشة فوق التسع بضع سنوات، ولم يقل ذلك أحد، وأنه ادعى أن الزفاف لم يتم إلا بعد فترة بلغت خمس سنوات في أشهر الأقوال، ولم يوجد قط قول بهذا، فضلا عن أن يكون أشهر الأقوال، ويجد أنه كان يجهل حكم الزواج بين المسلمة والمشرك في صدر الإسلام، وأنه تحدث فيه بغير علم، وأنه فوق هذا كله جمح به قلمه فوصف هذه السنن الصحاح بأنها (الزور الأثيم والبهتان المبين)، حين زعم أننا نجهل ما وراء روايات الأقدمين، وليت شعري بم يصف عمله في التحريف والتحوير والقول على رسو الله بما لم يأت عليه ببرهان، وفخر بأنه أثبته: (على رغم الأقاويل والسنين)؟.

ثم ليعلم أيضا أن السنة النبوية، من قول وعمل وتقرير مصدر عظيم للتشريع الإسلامي، وهي المصدر الثاني بعد القرآن، وهي المفسرة له المبينة، كما قال الله لنبيه ? وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ? وأن هذه الأحاديث التي أنكرها بتحريفه وتأويله، وأثبت ضد ما ثبت فيها (على رغم الأقاويل والسنين) فيها دلالة على أحكام شرعية خطيرة الأثر، منها جواز تزويج الصغيرة للكبير، ومنها أن الصغيرة يلي أمر تزويجها وليها إذ هي لا تملك أمر نفسها، ومنها أن البناء بالصغيرة جائز حلال، إلى غير ذلك من الأحكام، وأن إنكاره ما فيها إنكار لكل ما يستنبط منها بالطريق الصحيح للإثبات، بل ضده ونقيضه، فإن لم يدرك هذا كله فقد أبلغناه، وما علينا من وزره شيء.

وبعد: فما الذي دفع به إلى هذه المضايق، وأورده هذه الموارد و أقحمه؟ يظن أنه يسوغ عمله إذ يقول (ذلك هو التقدير الراجح الذي ينفي ما تقوله المستشرقون على النبي بصدد عائشة في سن الطفولة الباكرة – كتاب الصديقة – ص 66) ويقول (وإنما عنانا أن نبطل قول القادحين في النبي أنه عليه السلام بنى ببنت صغيرة لا تصلح للزواج، وقد أبطلنا ذلك بالأدلة التي لا نكررها هنا - الرسالة في العدد 559)، هذا عذره الظاهر لنا من كلامه، وليس لنا أن نخوض فيما وراءه.

ولكن أهذا هكذا؟ قال مستشرق، أو طعن مبشر، أو قدح ملحد، فقال أحدهم ما شاء من قدح في عمل بعينه، أ فترى أنت هذا العمل معيبا يجب التبرؤ منه، أم تراه جائزا لا شيء فيه ولا غبار على من يعمله، وأن العائب إنما ينظر إليه من ناحية غير صحيحة، وبعين مغرضة ليست بريئة، أفلا ترى أنك إذا نفيت هذا العمل وأنكرته فقد رأيته معيبا كما رأى العائب، وقادحا كما فعل القادح، فما حاجتك إلى التستر وراءه، وماذا يمنعك أن تصرح بأن هذا العمل غير جائز، وأنك توافق في استنكاره من سبقك من المستشرقين؟

هذا هو الطريق المنطقي للبحث العلمي، العالم لا يدافع عن نظرية علمية ولا ينصرها إلا إذا رآها رأيه و التزمها قوله، ثم ألم يكن الأجدر بالكاتب الجريء أن يصنع كما يصنع الرجال فيصرح بإنكار كل الأحاديث التي فيها سن عائشة وينقدها على طريقة المحدثين فيبين ضعف أسانيدها وبطلان روايتها إن استطاع، فذلك خير له من تأويلها وتحريفها والتزيد فيها، ثم مناقضته نفسه بالاحتجاج ببعض ألفاظها على أسلوب عائشة المرسل السهل الجزل الفصيح (ص 57 - 58) كما استدرك عليه الدكتور بشر في نقد كتابه.

وبعد مرة أخرى: فإن شريعتنا شريعة الإسلام أباحت تزويج البنات الصغار، وجعلت تزويجهن للأولياء، بدليل زواج النبي ? بعائشة وبنائه بها وهي دون العاشرة، وبدليل قول الله تعالى ? وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ? فاللائى لم يحضن هن الصغيرات اللائى لم يأتهن الحيض وهن دون البلوغ، عليهن عدة ثلاثة أشهر إذا طلقن، ولا يكون طلاق وعدة إلا بعد زواج، أليس كذلك؟ فمن رضي هذه الشريعة لم ينكر ولم يعبأ بقول العائبين المغرضين، ومن أبى ? وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ?. انتهى كلامه رحمه الله وقد كفى وشفى وجزاه الله خير الجزاء ".

ومن رام المزيد فليرجع للمصدر المذكور

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير