تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

ولهذا بدأ الإسلام بهذا الأساس، فنزل القرآن يدعو الناس إلى الإيمان بالغيب الذي يشمل الإيمان بالله تعالى وعبادته، والإيمان برسوله وطاعته، وعدم طاعة كل من خالفه، والإيمان بالوحي المنزل من عند الله الذي هو منهج حياة البشر، والإيمان باليوم الآخر الذي فيه البعث والعرض والجزاء والحساب والثواب والعقاب، ودخول الجنة أو النار.

واستمر الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى هذا الأساس، وترك كل ما يخالفه ثلاثة عشر عاما، ولم يكن يدعو إلى أحكام شرعية أخرى إلا القليل منها، مما يعتبر أصولا عامة للأحكام التفصيلية الكثيرة التي شُرِعت فيما بعد، ومن الآداب والأخلاق العامة التي اتفقت على حسنها الأمم، كالصدق والأمانة وصلة الأرحام.

لذلك كان الناس يتعاملون فيما بينهم بما ألفوا واعتادوا من عادات اجتماعية واقتصادية وغيرها.

ومن ذلك الزواج، فكان المسلم يتزوج الكافرة والمشركة، والكافر يتزوج المسلمة الطاهرة، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون لحم الميتة، ويتعاملون بالربا، ويتعاطون الميسر، وبقي كثير من تلك العادات والمعاملات على حالها، حتى هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة.

وقد ذكر العلماء أن ذلك من حكمة الله تعالى في إنزاله القرآن منجما على رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم ينزله دفعة واحدة، كما قال تعالى: ((وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا)) [الإسراء (106)]

[يراجع كتاب تاريخ التشريع، للشيخ مناع بن خليل القطان، رحمه الله، من صفحة 52إلى صفحة 57 الطبعة العاشرة]

وقد أشارت عائشة رضي الله عنها إلى هذه الحكمة، فقالت: "إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم، وإني لجارية ألعب: ((بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر)) وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده" [البخاري، رقم 4707]

وهنا في المدينة النبوية، صار للمسلمين أرض يعيشون عليها أعزة، جمع الله فيها كتيبتي الإسلام من المهاجرين و الأنصار، فأصبحوا قوة تتولى شئون الدولة الإسلامية الناشئة، ينفذون أمر الله.

وبدأ القرآن الكريم ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم بالأحكام الشرعية في تدرج إلى أن أكمل الله دينه الذي ارتضاه لنا.


تحريم زواج المسلم بالكافرة وتحريم زواج الكافر بالمسلمة

ومن تلكم الأحكام التي نزلت، تحريم التناكح بين الملمين والمشركين، فلا يجوز لمسلم أن ينكح مشركة ابتداء، ولا أن يمسكها في عصمته استدامة، كما لا يجوز لمسلمة أن تتزوج كافرا كذلك. قال تعالى: ?ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم? [الممتحنة: 10]
قال القرطبي رحمه الله: "والمراد بالعصمة هنا النكاح، يقول: من كانت له امرأة فقد انقطعت عصمتها … وكان الكفار يتزوجون المسلمات، والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك في هذه الآية" [الجامع لأحكام القرآن (18/ 65)] وكان هذا بعد صلح الحديبية [نفس المرجع (18/ 61)]
وقال تعالى: ?ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم، ولا تُنكِحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ? [البقرة 221]

وفي هذا التحريم تحقيق لأمرين:
الأمر الأول: المفاصلة بين عباد الله المؤمنين وأعدائهم الكافرين في تكوين نواة الأمة وهي الأسرة، لأن النواة الفاسدة تثمر نباتا فاسدا.
الأمر الثاني: تأكيد الولاء بين المسلمين وتقويته في أساس الأمة، وهي الأسرة.
¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير