تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

إن لفظ العموم في مثل حديث: "كل مصور في النار" (البخاري (2225) ومسلم (2110) واللفظ له) لا يكون حقيقة إلا على جرم عظيم وكبير هو المضاهاة لخلق الله عن قصد وإرادة ولفظة: (كل)، هي أقوى صيغ العموم وإذا أضيفت لنكرة، فهي لشمول أفراده، كقوله –تعالى-: "كل نفس ذائقة الموت" [آل عمران:185] والمضاهاة في اللغة: المشاكلة والمماثلة، كقوله –تعالى-: "يضاهئون قول الذين كفروا من قبل" [التوبة:30]، أي: يشاكلونهم، فيقولون مثل قولهم، كما تطلق المضاهاة أيضاً على المعارضة كما في الحديث في ذم المصورين: "يضاهون بخلق الله" البخاري (5954) ومسلم (2107)، أي: يصورون الصور قاصدين المشابهة لخلق الله والمعارضة له، وأنّى لأحد ذلك حيث يقال لهم يوم القيامة:" ... أحيوا ما خلقتم" أخرجه البخاري (5951) ومسلم (2108)، وصدق الله:" وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون" "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" [البقرة:111].

وعلى هذا يتعين حمل معنى حديث: "كل مصور في النار" (البخاري (2225) ومسلم (2110) واللفظ له)، وما يشابهه على معنى المضاهاة؛ لأننا نجد كثيراً من كبائر الذنوب كقتل النفس، والزنا، والربا، وعقوق الوالدين ... إلخ هي أعظم من التصوير ولم يحكم على أهلها بالنار، كما في هذا الحديث، فظهر أن التصوير بغير قصد المضاهاة -كما فسرناها- لا يدخل في عموم هذا الحديث، وإنما هو لعموم المضاهين بتصويرهم لخلق الله –سبحانه-.

-والنصوص التي وردت عن السلف من الصحابة والتابعين في النهي عن تصوير ماله روح تدل على أنهم فهموا الأحاديث النبوية على أنها من ألفاظ الوعيد لا غير، بدليل قول عبدالله بن عباس –رضي الله عنهما- لما جاء رجل يستفتيه، وكانت مهنته التصوير، قال له: "إن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له" رواه البخاري (2225) ومسلم (2110) واللفظ له، ووجه ذلك أنه لم يغلظ عليه القول، بل لم يزد على قوله هذا، وعامة ما روي عنهم هو من باب الورع واتقاء الشبهات.

-إن كثيراً من أنواع التصوير في الوقت الحاضر تستعمل في التعليم والتوجيه كوسائل إيضاح لا يكاد يستغنى عنها، فالصورة الواحدة أحياناً تختصر أو تكفي عن مئة عبارة أو أكثر، وحديث عائشة ولعبها بالبنات وهي صور مجسمه (لها ظل) جائزة بالنص، وعلل العلماء ذلك الجواز لغرض التعليم والتربية، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذا جاز التصوير المجسم للصغار لهذا الغرض فهو للكبار من باب أولى، والرجال به أولى من النساء؛ لأنهم مطالبون بتعلم أنواع كثيرة من العلوم قد لا يطلب بعضها من النساء.

ثم إن التصوير اليوم –خاصة ما ليس له ظل- لا يستغنى عنه في ضرورات الناس وحاجاتهم، فالقول بحله وجوازه يتفق مع يسر الدين وسماحته، كقوله –تعالى-:" ... يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ... " [البقرة:185]، وقوله –صلى الله عليه وسلم-: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق" رواه أحمد (13025) " ... ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ... " أخرجه البخاري في صحيحه (39)، وقوله:" يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا".

-جمهور العلماء يقولون بجواز الصورة إذا قطعت وبقي من أجزائها ما لا تحل فيه الحياة عادة كصورة الرأس بلا صدر، أو البدن بلا رأس، أو كانت الصورة ممتهنة كأن تكون على فراش يوطأ أو مخدة يتكأ عليها، أو منشفة يستحم بها ... إلخ، وقد ورد في بعض كتب الفقه إشارات إلى مثل هذه الأفلام الكرتونية أو الكاريكاتورية، يقول ابن قدامة في (المغني) في حكم إجابة الدعوة لوليمة العرس إذا كان في المكان منكر كالصورة:" فإن قطع رأس الصور ذهبت الكراهة، وكذلك إذا كان في صورة بدن بلا رأس، أو رأس بلا بدن، أو جعل له رأس وسائر بدنه صورة غير حيوان لم يدخل في النهي؛ لأن ذلك ليس بصورة حيوان" انتهى.

وقال محمد الرملي الشافعي في كتابه (نهاية المحتاج) في مبحث وليمة العرس على قول صاحب المنهاج "ويحرم تصوير حيوان" قال الرملي:" وإن لم يكن له نظير كبقرة لها منقار أو فرس له جناحان أو صورة من طين أو حلاوة للوعيد الشديد على ذلك" وفي حاشية محمد المغربي المطبوعة مع (نهاية المحتاج):"ويظهر أن خرق بطنه –يعني: الصورة- لا يجوز استدامته، وإن كان بحيث لا تبقى الحياة في الحيوان؛ لأن ذلك لا يخرجه عن المحاكاة" انتهى.

فقول ابن قدامة: "أو جعل له رأس وسائر بدنه صورة غير الحيوان ... "، وقول الرملي: "وإن لم يكن لهم نظير كبقر له منقار. . . . . "، وقول المغربي: "ويظهر أن خرق بطنه لا يجوز استدامته ... " فهذه الأقوال وإن اختلفت في الحكم الشرعي بناء على تصوير الحيوان الذي لا نظير له هل هو جائز أم لا؟ أقول: إن فيها إشارات – وإن لم تكن صريحة - إلى الصور الكرتونية والكاريكاتورية كصورة إنسان له جناحان، أو رجل رأسه كالكرة الأرضية، أو رجل أنفه أكبر من جسمه، أو حيوان يخطب بلسان إنسان ونحو ذلك، فإن مثل هذه الصور لا نظير لها في الواقع فليست حيواناً ولا إنساناً من كل وجه، بل أخذت من هذا صفة ومن تلك أخرى.

وبعد هذا البيان ألخص جواب السؤال، فأقول: إن الأفلام الكرتونية الإسلامية نوع من أنواع التصوير الجائز -فيما يظهر لي-، والله أعلم، وعليه فإن إنتاجها وبيعها وشراءها ومشاهدتها جائز كله ما دامت منضبطة بالضوابط الشرعية كسلامة القصد وصحته، وألاّ تشتمل على عبارات شركية، أو بدعية، أو مخلة بالآداب والأخلاق الإسلامية، وحينئذٍ يكون إنتاجها ونشرها قربة إلى الله –سبحانه-، ولا أراني مجانباً للصواب إذا قلت: إن هذا العمل يدخل في حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "إن الله –عز وجل- يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله ... " رواه أبو داود (2513) والترمذي (1637) والنسائي (3578) وابن ماجة (2811) وأحمد (17321)، اللهم علمنا ما جهلنا، ووفقنا للصواب حيثما كنا، آمين.

http://www.islamtoday.net/questions/show_question_*******.cfm?id=7044

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير