تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

· الخضاب بالحمرة والصفرة: وفيها مسألتان: الأمر بتغيير الشيب واللون وكلاهما في الحديث مأمور بهما. لكن هناك قرائن أخرى تصرف الأمر من الوجوب الى الندب في كلتا الحالتين: ففي تغيير الشيب ورد أن بعض الصحابة خضبوا كعمر وأبي بكر وأخرين لم يخضبوا كعلي وأبي بن كعب رضي الله عنهم فكان إقرار النبي لهم قرينة على الجواز وأن أمره كان من باب الندب. كما قد وردت أحاديث صحاح في فضل الشيب وكراهيته بتغييره كما ورد عن ابن مسعود كما في سنن أبي داود والنسائي ومسند أحمد. وعليه فالجمع بين الأحاديث يدل أن الأمر بتغيير الشيب هو من باب الندب لمن كان بياض شعره كبياض شعر أبي بكر.

· التسرول والتأزر: يقول الشوكاني رحمه الله في نيله: " وفيه الإذن بلبس السراويل وإن مخالفة أهل الكتاب تحصل بمجرد الاتزار في بعض الأوقات لا بترك لبس السراويل في جميع الحالات فإنه لازم وإن كان في المخالفة" كما أنّ اللباس من باب العادات والأصل فيها الإباحة وإنما الوجوب هو في تغطية العورة والتحريم في ما نهي عنه كلبس الحرير والذهب للرجال. فهذه القرائن أخرجت الأمر من الوجوب إلى الندب كونها جاءت جواباً أذن فيه الرسول بلبس السروال والإزار للسائل.

· التنعل والتخفف من العادات في طابع الحال، أما ما جاء ذكره في باب الصلاة لمخالفة أهل الكتاب، فليعلم أنّ الأمر بالمخالفة لم يخرج من الوجوب إلى الندب هكذا من هذا الحديث، بل بناءً على قرائن أخرى أكدت أنّ الأمر جاء على سبيل الإباحة والندب. فقد جاء في الحديث الصحيح، كما في سنن أبي داود، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُصَلُّونَ فِى نِعَالِهِمْ وَلاَ خِفَافِهِمْ" و هذا الحديث مع ما سبق ذكره يفيد الوجوب، لكن قرينة صرف الأمر من الوجوب إلى الندب هو ما أخرجه أبي داود أيضاً من حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّى حَافِيًا وَمُنْتَعِلاً." وأيضاً حديث أبي هريرة في سنن أبي داود أنّ النبي صلى الله علهي وسلم قال: " إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلاَ يَضَعْ نَعْلَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وَلاَ عَنْ يَسَارِهِ فَتَكُونَ عَنْ يَمِينِ غَيْرِهِ إِلاَّ أَنْ لاَ يَكُونَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدٌ وَلْيَضَعْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ" فهذه الأحاديث تدل على جواز عدم التنعل في الصلاة وأنّ المصلي له الخيار.

· اللحية والسبال: الأمر فيهما يدل على الوجوب والقرائن كثيرة فأما ما يتعلق بقص السبال فقد وردت قرائن أخرجت الأمر من الوجوب إلى الندب منها، اتفاق الأئمة على سنيتها صراحة كما نقل الشيخ النووي. كما أنّ العلماء قالوا أنّ الشارب هو من أمور الزينة وذكروا ما فيها من علل نظافة وزينة جعلتها من باب الندب لا الوجوب. كما أنه ثبت أنّ عمر بن الخطاب كان له شارب يطيله إذا غضب فتله، كما نقله الحافظ ابن حجر وابن عبد البر والعراقي وغيرهما. ففعل الصحابي مع إقرار النبي دل أنّ الأمر للندب لا للوجوب وإلا لاستنكر الصحابة ذلك على عمر رضي الله عنه.

أما ما يتعلق باللحية فلا توجد قرينة واحدة سواء من فعل صحابي أو تابعي أو من السلف ما تدل أن حلق اللحية مكروه تنزيهاً. والله المستعان على من ضرب بعرض الحائط بكل هؤلاء من أجل قول ظهر بلا دليل في عصر ضعف المسلمين ووهنهم بعد عشر قرون! كما أنّ الحديث فيه ما فيه من فقه لو تدبر لما استدل به المخالف. فسؤال الأنصار عن أفعال اليهود كانت تتضمن فعل يفعلونه وفعل يمتنعون عن فعله، فدل أنّ سبب الفعل وعدمه هو من باب ما هم عليه في دينهم. لذا جاء الرد النبوي بإباحة كل الأفعال ما عدا ما خص اللحية والسبال.

كما إنّ ابتداء النبي الأنصار بخضاب لحاهم دون سؤالهم عن سبب فعلهم، هو لتعليمهم أصل المخالفة. لذا تتابعوا على سؤاله – عليه الصلاة والسلام – عن أفعال أهل الكتاب عموماً ليعلموا هل المخالفة مختصة بفعل دون فعل أم أنها على العموم، فكان رد المصطفى متضمناً أنّ المخالفة تكون في كل ما كان من دينهم وليس بمنهي عنه في ديننا، وهذا واضح في قولهم أنهم امتنعوا عن فعل دون فعل، فاليهود يتخففون ولا ينتعلون، ويتسرولون ولا يأتزرون، فكان الهدي النبوي أن أباح جميع الأفعال المذكورة كونها مباحة لدينا، لعدم وجود نهي عنها،ولأنّ اليهود حرّموا على أنفسهم بعضها. فتأمل.

وهناك سؤال تابع لهذا إذا تغير فعل اليهود من عدم إطلاقهم للحى إلى إعفائها كما هو الحال عند غالبية المتدينين اليهود في زماننا هذا هل يجب علينا ان نخالفهم بعدم إطلا قها

أرجو البيان ولكم جزيل الامتنان

عدم تغير الفعل في اللحية لا يعني على الإطلاق تغير الحكم عندنا لأنّ الفعل أصلاً من الفطرة والمخالفة تستوجب أن لا تخالف فطرة فطرها الله علينا، كما أنّ الظاهر أنّ اليهود كانوا يطلقون اللحية أيضاً وقتها لكنهم كانوا يطلقون الشارب أيضاً وهذا ما تراه على أعلب المتدينين اليهود اليوم أيضاً. لذا كان الأمر بالمخالفة متعلق باللحية والشارب معاً، وعلى أي حال فاللحية مأمور بها لأنها من الفطرة ابتداءاً ثم للمخالفة تبعاً

والله أعلم وأحكم

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير