تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

نفسه "، وهو قول ٌ حقٌّ لا ريب فيه.

ويزيد هذا توكيدا وتوضيحا حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "فرض

رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهْرةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعْمةً للمساكين، فمن أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولةٌ،

ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة ٌ من الصدقات ".

وهذا الحديث فيه دلالة ضمنية على أن زكاة الفطر لا يخرجها الصائم إلا بعد انقضاءِ أيام صومه، وذلك قوله: " طُهرةً للصائم "، فما دام أن أيام الصوم باقية، فذمَّةُ المسلم متعلقةٌ بها لأدائها صياما، ولا تبرأُ ذمته

من صيامها إلا بعد أن تنقضي أيام الصيام، ومادام في صوم فهو عرضةٌ للرفث واللغو، فإن أدى زكاة الفطر قبل انقضاء أيام الصوم، فإن جُزءأً من

صومه حينئذ لا تتناوله زكاة الفطر بالتطهير، مما قد يتعرض له الصائم من

اللغو والرفث.

ثم إن كلمة زكاة الفطر تدل بحروفها على أنها مرهونةٌ بانتهاء الصائم

من صومه، وأنها لم تُسمَّ بهذا الاسم إلا لذلك، وذلك بدخول أول يوم من شوال، ودخول هذا اليوم إنما يكون بعد طلوع فجره، وهذا ماذكره ابن حزم رحمه الله في قوله المتقدم قريبا، وكلمة يوم هنا تطلق على النهار فقط، وإنما أُضيفت إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان.

وقد رويت أقوالٌ كثيرةٌ في وقت إخراج زكاة الفطر، حتى إن بعضهم

يرى جواز إخراجها في اليوم الأول من رمضان، بل إن بعضهم يرى جوازها

لعامين، وأقربهم إلى الصواب من يقول بجواز إخراجها قبل الفطر بيومٍ أو

يومين، وحجتُهم في ذلك ماجاء في صحيح البخاري: " وكانوا يعطون ـ أي زكاة الفطر ـ قبل يوم الفطر بيوم أو يومين ".

وبالنظر في الأدلة مجتمعة يمكن القول: إن زكاة الفطر لها وقتٌ محدَّدٌ، يبدأُ من طلوع فجر يوم عيد الفطر، وينتهي بانتهاء صلاته، وهو

ماصرّح به حديث ابن عباس: " فمن أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاةٌ مقبولة،

ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات "، فيجب أن يحرص المسلم على أدائها في هذا الوقت، فإن لم يُخرجها في هذا الوقت لم تجزىء عن صدقة الفطر، كما صرح الحديث بذلك.

وأما حديث ابن عمر الذي في البخاري: " كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين " فليس المرادُ إعطاءها لمستحقيها من المساكين والفقراء

قبل يوم أو يومين، بل المراد تسليمها للذين يجمعونها من عمَّال الزكاة،

وقد جاء التصريح بهذا في روايات أخرى عن ابن عمر رضي الله عنهما، ففي صحيح ابن خزيمة، قال: حدثنا عمران بن موسى القزاز، حدثنا عبدالوارث، حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر، قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة رمضان عن الحر والمملوك،والذكر والأنثى صاعا من تمر أو صاعا من شعير، قال: فعدل الناس به نصف صاع بر، قال: وكان ابن عمر إذا أعطى التمر إلا عاما واحدا، أعوز من التمر فأعطى شعيرا، قال: قلت متى كان ابن عمر يُعطي الصاع؟ قال: إذا

قعد العامل، قلت: متى كان العامل يقعد ... ؟ قال: قبل الفطر بيوم أو

بيومين ".

وفي " الموطأ " حدثني يحيى عن مالك عن نافع أن عبدالله بن عمر

رضي الله عنهما كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة.

فهذه الروايات المصرِّحة بعامل الزكاة الذي كانت تُجْمَعُ الزكاة عنده،

تمهيدا لإخراجها وإعطائها لمستحقيها من المساكين والفقراء، فسَّرت

رواية البخاري التي لم تصِّرِّح بالعامل، بل قالت: " للذين يقبلونها ". ولا

أحسب بعد ماتقدم من توضيح وبيان أنه يبقى عُذْرٌ بجواز إخراج زكاة الفطر في غير الوقت المحصور مابين الفجر وبين صلاة العيد، وهو الحق أن شاء الله، الذي ينشده كل مُحبٍ للحق.

ولا أحسِبُ إلا أن العجز هو الذي يُقْعِدُ المسلمين اليوم عن العمل بهذا الواجب الديني العظيم، فهم يقولون: إن الوقت مابين الفجر إلى صلاة العيد لا يتسع لتوزيع زكاة الفطر، يقولون هذا وأحدهم لم يَذُقْ مُتْعَةَ

العمل بهذه العبادة العظيمة، لأنهم لا يريدون أ، يتعبوا أجسادهم في عبادة فرضها الله عليهم في كل عام مرَّة، وبخاصة ونحن في زمانٍ أُهمل فيه أمر الزكاة، واستبدلوا الذي هو أدنى ـ وهو مايُعرف بالضريبةـ

بالذي هو خير، وهو الزكاة " أ. هـ

وقال الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع في رسالته " كشف الستر عن أحكام زكاة الفطر " (25 ـ28):

" في تسميتها في الأحاديث " زكاة الفطر " إشعار بأنها إنما تجب بالفطر من رمضان، إذ لو مات إنسان يوم الثامن والعشرين مثلا فلا شيء عليه إذلم يدركه وقت وجوبها، وهذا الذي يدل عليه أمره صلى الله عليه وسلم بأدائها قبل الخروج إلى الصلاة والله أعلم، وماكان من عمل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين لأنها كانت تجمع عند العامل، وليس في ذلك دليل على أنها كانت تعطى للمساكين قبل يوم أو يومين، يبين ذلك ماكان من أمر أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان أنه أتاه ثلاث ليال يأخذ من صدقة الفطر [رواه البخاري] ففي ذلك دليل على أنها كانت تمكث مدة قبل أن تعطى للمساكين، وفي أزماننا هذه لا نجد حاكما قائما بدين الله يجعل للزكاة عمالا، فإذن يعطيها المسلم بنفسه للمساكين، فعلى هذا لا

يجوز أن يقدمها على مغرب آخر يوم من رمضان إذ لا دليل على ذلك،

وتقديمها على وقتها كصلاة الظهر قبل دخول الوقت والله أعلم.

وماذهب إليه بعض أهل العلم من أن القبلية في حديث ابن عمر ظرف متسع غير صحيح لما أسلفنا ويلزمهم ذلك أن يجوزوا إخراج زكاة سنين ولا أظنهم يقولون به، والقول به لا يساعد عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأدائها قبل خروج الناس إلى الصلاة كما هو ظاهر، وعلى كل حال فالحق إن شاء الله هو ما أسلفنا بيانه والله أعلم. أ. هـ

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير