تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

اختلف العلماء في قوله: ((إلا الصوم فإنه لي)) فمن أهل العلم من يقول: إلا الصوم فإنه تمحض خالصا لله – Y- ، فالصلاة التي هي أفضل الأعمال يمكن أن يصليها الإنسان رياء، ويمكن أن يصليها سمعة، ولكن الصوم لا يمكن أن يصوم إلا لوجه الله، لأنه يمكنه أن يتوارى عن الأنظار، ويمكنه أن يختبئ وراء الأستار، ويمكنه أن يذوق لذته طيلة النهار، ولكنه يعلم باطلاع الملك القهار، وأن الله يسمعه ويراه، وأنه لا تخفى عليه خافية، فتمحض مخلصا لله.

((إلا الصوم فإنه لي)) قال بعض العلماء: فإنه لي أي جزاؤه لي، وكل الجزاء من الله – I- ولكن خصه لعظيم فضله وشرفه ومكانته.

((إلا الصوم فإنه لي)) لا يستطيع الملك أن يكتب كم أجر هذا الصوم؛ لأن الأمر لله وسيأتي يوم القيامة فيرى العبد جزاءه عن صيامه عند ربه – I- .

في هذا دليل على أن شرف الأعمال وعظم الجزاء فيها موقوف على التوحيد والإخلاص، وأن أصدق الناس إخلاصا وعبودية لله - Y- في صلاته وزكاته وحجه وعمرته وعبادته وجميع شأنه أرفع عند الله قدرا، وأعظم عند الله أجرا، نعم إنهم الذين أرادوا الله ولم يريدوا شيئا سواه، إنهم الذين صدقوا مع الله -جل في علاه- فرفع الله قدر الصوم وأعظم جزاءه، قال بعض العلماء: إن العبد يقف بين يدي الله تكثر عليه المظالم وتكثر عليه حقوق الناس ولكن الله يريد أن يرحمه ويريد أن يلطف به، فإذا بالمظالم والخصومات عليه كثيرة فيضاعف الله أجر صيامه حتى تقضى جميع الحقوق والمظالم، قالوا وهذا معنى قوله: ((الصوم جنة)) أي أنه وقاية للعبد من النار، فمظالم الناس تنتهي بالإنسان إلى النار كما في الحديث الصحيح: ((أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا دينار له ولا درهم، قال إنما المفلس من يأتي يوم القيامة وقد شتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا فيؤخذ من حسناته على قدر مظلمته حتى إذا فنيت حسناته أُخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم أمر به فطرح في النار)). فإذا كان الصوم يضاعف في الجزاء خلّص الله عبده بفضله، ونجاه بكرمه وجوده وإحسانه.

((إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)) ثم انظر وتأمل قوله: ((كل عمل ابن آدم)) كل الطاعات الحسنة بعشر أمثالها بين الله جزاءها في هاتين الجملتين: أما الصوم فشرفه الله وفضله وكرمه ورفع قدره حينما بيّن في أكثر من جملة خصائصه وفضله.

((إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)) ثم بين حقيقته وبين السبب الذي جعل العبد ينال هذه المنزلة ((يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي))، من ترك شيئا لله تولى الله جزاءه، ومن ترك شيئا لله تولى الله مثوبته، ومن ترك شيئا لله تولى الله – I- الفضل والإحسان إليه في الدنيا والآخرة.

إنه الصوم مدرسة المؤمنين، إنه الصوم نزهة المتقين، إنه الصوم مرتع الصالحين، إنه الصوم الذي أخذ بمجامع القلوب والقوالب إلى ربها، هذّب الأخلاق، وقوم المسلم حتى في كلامه ((فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن سابه أحد أو خاصمه أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم)).

إنه الصوم الذي زكى القلوب {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} فيقول رسول الله – r- : (( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)) ثم بين في بداية الحديث أن التقوى في القلب، فقال: ((التقوى ههنا التقوى ههنا)) ويشير إلى قلبه – صلوات الله وسلامه عليه-.

هذا الصوم إذا تأمله المسلم ونظر إلى حقيقته وجد أنه مدرسة إيمانية قصد من وراءه الخير الكثير، فما ضاق سبل الشيطان في شهر أعظم من شهر رمضان، ولا فتحت الرحمة على العباد في موسم أعظم من شهر رمضان، ولا أصبح العباد ما بين مهتدٍ وهاد في مثل شهر رمضان، ولا أصبحت النفوس زكية مقبلة إلى ربها مطمئنة راضية مرضية في مثل حالها في شهر الصيام والقيام حينما تصفد الشياطين، وتفتح أبواب الجنان، وتغلّق أبواب النيران، وينادي منادي الرحمن: يا با غي الخير أقبل.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير