تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[يا طلبة العلم! انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله]

ـ[عبد الرحمن السديس]ــــــــ[13 - 06 - 09, 08:41 م]ـ

[يا طلبة العلم! انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وسلم. أما بعد:

فمعلوم أن من أعظم الجهاد في سبيل الله الجهاد بالحجة والبيان، و «جهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة، وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه وإن كانوا هم الأقلين عددًا = فهم الأعظمون عند الله قدرا» (1).

ومنذ مدة ونحن نرى هجمة شرسة متنوعة في وسائل الإعلام من الليبراليين والفسقة على ديننا ومؤسساتنا الشرعية؛ على القضاء والقضاة، وعلى الحسبة والمحتسبين، وعلى العلماء والدعاة، وعلى حلق التحفيظ ومناشط الشباب، وكتابات لا تنقطع عن المرأة وتنوع طرق إخراجها وفتنتها، والتشجيع والترويج لبرامج التفسخ والفساد، والدعوة والتبرير لوسائل الفساد المتنوعة كالسينما ... وغير ذلك.

وقد تنوعت وسائلهم، ومُكِّنوا من كثير من منابر الصحف الرسمية، وصنع رؤساء تحرير هذه الصحف كما صنع معلمهم الأكبر إبليس حين «يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة ... » (2) فتسابق إليهم جموع من الصبيان وأشباه الأنعام، ممن أكبر همهم الشهرة والمال، ونشر الفساد، وبالغوا في طرح خبثهم، وجاهروا بكثير من نتن فكرهم، ورفعوا عقائرهم بالسخرية من العلماء وطلبة العلم، ووصفوهم بأنواع من الرذائل والتهم، ونفروا منهم العامة وأظهروهم بمظهر المتخلفين الرافضين لكل ما ينفع الناس ويزيد في رفاهيتهم، وأظهروهم بمظهر الجاهل محدود الثقافة الذي يرفض كل جديد لكونه جديدا ... إلخ.

ونوعوا في وسائلهم؛ فالصحف أغرقوها بالمقالات والتعليقات، والرسومات «الكاريكاتورية»، وأنواع البرامج في القنوات، وعدد من مواقع الشبكة الخاصة بهم والعامة ...

هذا وهم شرذمة قليلون سفلة مرذولون جلهة متناقضون، مخالفون للدين، منافرون للفطرة.

لكن كثرة طرحهم أثَّر في كثير من العوام حين رأوا سكوت كثير من العلماء وطلبة العلم عنهم، وظنوا أنهم على شيء، وبدأنا نرى تعليقات الجهلة والعوام ـ في مواقع الصحف والشبكة ممن لا يحسن كتابة سطر على وجهه ـ تؤيدهم وتردد نفس أفكارهم!

ومع الأسف فلا يزال كثير من العلماء وطلبة العلم في سبات وغفلة، وكأن الأمر لا يعنيهم، وكأن الكلاب لم تأكل لهم عجينا، فمن منزوٍ في بيته مع أهله، وغايته أن يحوقل ويلوم من مَكَّنهم من ذلك، أو يرمي بالمسؤولية على غيره ويطالبهم بالحديث، ومن همه في رسالته العلمية، وبحوث الترقية ومتى يكون دكتورا، ومتى يكون أستاذا مشاركا أو أستاذا، في بحوث كثير منها مصيره للغبار في رفوف مكتبات الجامعات!، ومن لاهٍ في تجارته وحرثه، ومن مغلق على نفسه باب مكتبته!

وإلا فحدثوني عن عشرات العلماء، ومئات القضاة، ومئات الأساتذة الجامعيين، وأين استفادتهم من هذه المسميات الوظيفية التي تثق بها العامة؟!

وأين المئات بل الآلاف من طلاب العلم، الذين لو تكلم عُشْرهم لملؤوا الدنيا علما ونورا، ولم يبق لمتحدث معهم مكانا.

لكن مع الأسف فقد تركوا المجال في كثير من الأحيان، فانبرى للدفاع بعض الغيورين الذي قل علمهم = فكان سبب استطالة هؤلاء عليهم.

لذا فإن المسؤولية كبيرة، ومجاهدتهم متعينة، ولا عذر لأحد في التخلف عن جهادهم بما يستطيع، فقد ولى زمن السكوت، فهذه منكرات ظاهرة منتشرة، «ومن رأى منكم منكرا فليغيره ... » (3) وكل بقدر استطاعته، وعلمه وجهده، وما يتاح له من فرصة، والفرص كثيرة لمن أراد أن ينصر الله، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}.

والوسائل كثيرة جدا، ولن يعجز أحد عن بعضها، ومنها:

الكتابة للمسؤولين، وزيارة العلماء وتحريضهم على مناصحتهم وعلى البيان للناس، والكتابة في هذه القضايا المطروحة: ابتداء أو الرد على كتاباتهم، والتعليق على هذه المقالات وتفنيد حججها، وبيان خللها، والاتصال على العلماء في البرامج في الفضائيات والإذاعة وطلب التعليق منهم على ما كتبوا، والكتابات الأدبية الساخرة، والرسومات «الكاريكاتورية»، والقصائد سواء العربية والعامية، والخطب، وإلقاء الكلمات في المساجد، وفي المجالس، والاتصال عليهم في برامجهم ومحاجتهم، وغير ذلك من الوسائل.

ومن لا يرغب أن يكتب باسمه فليكتب باسم مستعار، ومن لا يحسن الكتابة في الشبكة، أو لا يعرف المواقع؛ فليكتب وليعط طلابه أو أصحابه ينشروا له، ومن لا يملك اشتراكا في المواقع الشهيرة فليراسل من يرى أنه من أهل الخير وله فيها اشتراك لينشر له، ومن لا يحسن شيئا من هذا كله فليشارك ولو برفع المواضيع النافعة بالتعليق اليسير عليها بالشكر والدعاء، وغير ذلك، وأكثرها لن يأخذ من وقته سوى دقائق معدودة (4).

ولن يعجز من أراد نصر دينه عن بعض ذلك.

وأي خير فيمن لا مشاركة له في شيء؟!

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.


(1) زاد المعاد 3/ 5.
(2) صحيح مسلم (2813).
(3) صحيح مسلم (49).
(4) ومما يذكر أني سمعت أحد الشباب اتصل على المفتي في برنامج مباشر وأخبره عن الرسم الساخر في جريدة الوطن فعلق المفتي عليه، ونشر تعليق المفتي في عدد من المواقع، فحصل بذلك خير كثير، وهو عمل يسير.
¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير