تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

قَالَ اِبْن بَطَّال: هَذَا الْحَدِيثُ جَامِعٌ لِمَعَانِي الْخَيْرِ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَكُون بِحَالٍ تَتَعَلَّق بِالدِّينِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ مُجْتَهِدًا فِيهَا إِلَّا وَجَدَ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ , فَمَتَى طَلَبَتْ نَفْسُهُ اللَّحَاقَ بِهِ اِسْتَقْصَرَ حَالَهُ فَيَكُون أَبَدًا فِي زِيَادَةٍ تُقَرِّبُهُ مِنْ رَبّه , وَلَا يَكُون عَلَى حَال خَسِيسَةٍ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا وَجَدَ مِنْ أَهْلِهَا مَنْ هُوَ أَخَسُّ حَالًا مِنْهُ. فَإِذَا تَفَكَّرَ فِي ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ وَصَلَتْ إِلَيْهِ دُونَ كَثِيرٍ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ أَوْجَبَهُ , فَيُلْزِمُ نَفْسَهُ الشُّكْرَ , فَيَعْظُمُ اِغْتِبَاطُهُ بِذَلِكَ فِي مَعَادِهِ " انتهى.

رابعا:

أما إذا كنت تسأل الله تعالى جمال الوجه، تريد بذلك أن يقلب الله صورتك فيتغير أصل خلقة وجهك إلى وجه آخر حسن جميل، فهذا دعاء فاسد، لا يجوز للعبد أن يدعو به ولا بأي دعاء نحوه، فهو من الاعتداء في الدعاء الذي جاء النهي عنه في قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (الأعراف/55 وفي حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ)

رواه أبو داود (96) وصححه ابن حجر في "التلخيص" (1/ 144) والألباني في "صحيح أبي داود"

يقول قتادة رحمه الله: " اعلموا أن في بعض الدعاء اعتداء " انتهى.

وقال الربيع رحمه الله: " إياك أن تسأل ربك أمرا قد نُهيت عنه، أو ما ينبغي لك " انتهى.

انظر تفسير الطبري (5/ 207)

ووجه كون هذا القصد من الدعاء اعتداءً أن الله تعالى خلق الدنيا وركَّب فيها من سننه ما لا يقبل التبديل ولا التغيير – إلا في معجزات الرسل -، فخلق الشمس وجعلها سراجا، وخلق الأرض وجعلها مهادا، وأنزل من السماء ماء، وقدر للقمر منازل ومراحل، وأعطى كل شيء خلقه ورِزقه وصورتَه التي صوره بها، وهذه كلها أمور لا تتغير ولا تتبدل، لأنها من السنن الكونية التي قال الله تعالى فيها: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) الروم/30

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (640):

" أي: لا أحد يبدل خلق اللّه فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وُضِعَه " انتهى.

فكل من دعا بتغيير شيء من سنن الله الكونية اللازمة الواقعة فقد سأل ما لم يكن الرب ليفعله سبحانه، لا لعجزه، بل لأنه أراد ألا تتغير هذه السنن إذا وقعت، وأنت بسؤالك الله تحويل صورتك تحويلا تاما إنما تسأل نقيض ما أراد، وهذا من الاعتداء.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "مجموع الفتاوى" (1/ 130):

" وقد قال تعالى:) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (الأعراف/55 - في الدعاء - ومن الاعتداء في الدعاء أنْ يسأل العبدُ ما لم يكن الربُّ ليفعله، مثل: أنْ يسأله منازلَ الأنبياء وليس منهم، أو المغفرة للمشركين ونحو ذلك، أو يسأله ما فيه معصية لله، كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان " انتهى.

وقال رحمه الله (15/ 22):

" وعلى هذا فالاعتداء في الدعاء:

تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات.

وتارة يسأل ما لا يفعله الله، مثل: أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، ويسأله بأن يطلعه على غيبه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولدا من غير زوجة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله " انتهى.

وانظر جواب السؤال رقم (41017).

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير