للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وحسبنا أنْ نذكر قول ابن حجر في بيان موضوع كتاب البخاري والكشف عن مغزاه فيه (١):

«تقرَّر أَنه الْتزم فِيهِ الصِّحَّة وَأَنه لا يُورد فِيهِ إِلاَّ حَدِيثاً صَحِيحاً هَذَا أصل مَوْضُوعه وَهُوَ مُسْتَفَادٌ من تَسْمِيَته إِيَّاه الْجَامِع الصَّحِيح الْمسند من حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسننه وايامه وَمِمَّا نَقَلْنَاهُ عَنهُ من رِوَايَة الأَئِمَّة عَنهُ صَرِيحًا ثمَّ رأى أَنْ لا يخليه من الْفَوَائِد الْفِقْهِيَّة، والنكت الْحكمِيَّة، فاستخرج بفهمه من الْمُتُون مَعَاني كَثِيرَة فرقها فِي أَبْوَاب الْكتاب بِحَسب تناسبها، واعتنى فِيهِ بآيَات الْأَحْكَام فَانْتزع مِنْهَا الدلالات البديعة، وسلك فِي الإِشَارَة إِلَى تَفْسِيرهَا السبل الوسيعة، قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين نفع الله بِهِ: لَيْسَ مَقْصُود البُخَارِيّ الاقْتِصَار على الأَحَادِيث فَقَط بل مُرَاده الاستنباط مِنْهَا وَالاسْتِدْلال لأبواب أرادها وَلِهَذَا الْمَعْنى اخلى كثيراً من الأَبْوَاب عَن إِسْنَاد الحَدِيث وَاقْتصر فِيهِ على قَوْله " فِيهِ فلان عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَقد يذكر المَتْنِ بِغَيْر إِسْنَاد، وَقد يُورِدهُ مُعَلّقا، وَإِنَّمَا يفعل هَذَا لأنَّهُ أَرَادَ الاحْتِجَاج للمسألة الَّتِي ترْجم لَهَا، وَأَشَارَ إِلَى الحَدِيث لكَونه مَعْلُوماً وَقد يكون مِمَّا تَقَدَّمَ وَرُبمَا تَقَدَّمَ قََِرِيباَ».

وبهذا يَتَبَيَّنُ بطلان ما ذهب إليه سيزكين، وأنَّ قوله: أنَّ الإسناد لم يعرف شكله الأكمل عند البخاري، وأنَّ الواقع أنه بدأ من البخاري يفقد مكانته، وأنه أول من بدأ معه انهيار الإسناد مردود عليه! وهذا يدعو إلى الحذر والحيطة مِمَّا يكتبه في " تاريخ التراث العربي "، وقد ذكر لي بعض الإخوة الأتراك أنَّ رسالته التي تقدَّم بها لدرجة الدكتوراة قد تطرَّقَ فيها إلى هذا الموضوع، فطلبت نسخة منها باللغة التركية، وهي عندي الآن، وأرجو أنْ أتعرَّف على ما جاء فيها في هذا الشأن بعد ترجمتها بعون الله وتوفيقه.

مفهوم المَتْنِ:

أما المَتْنِ فسبق أنْ أشرنا إليه في بيان مفهوم السند، وأنه يطلق على ما انتهى إليه السند، وهو المروي من ألفاظ الحديث التي تتقوَّم بها المعاني (٢).


(١) " هدي الساري " مقدمة " فتح الباري ": ص ٨.
(٢) " المتعصر من مصطلحات أهل الأثر ": ص ٥، وانظر " تدريب الراوي ": ١/ ٦.

<<  <   >  >>