<<  <   >  >>

وفتاوى أخر رتّبها بخطه، مما لم يذكر في فتاويه.

فهذه نحو من خمسين تصنيفاً، كل ذلك " كما قال الكمال الأدفوي " في زمن يسير وعمر قصير، انتهى.

[نبذة من كلام العلماء في كتبه]

وعمّ النفع بتصانيفه وانتشر في الأقطار ذكرها، وأكبوا على تحصيلها، حتى رأيت من كان يشنؤها في حياته، مجتهداً في تحصيلها والانتفاع بها بعد مماته.

قلت: قال اليافعي: وقد بلغني أنه حصلت له نظرة جمالية من نظرات الحق سبحانه وتعالى بعد موته، فظهرت بركتها على كتبه، فحظيت بقبول العباد، والنفع في سائر البلاد.

وقال العثماني قاضي صفد في ترجمته من " طبقات الشافعية " له: سمعت الخطيب جمال الدين محمود بن جملة، الخطيب بالجامع الأموي، يقول بحضرة جماعة من مشائخ العصر: إنه سمع من شخص يخاطبه وهو بين النائم واليقظان: إن الله أفاض على النووي في قبره فيضاً، فصرف ذلك الفيض إلى كتبه، فمن ثم شاعت وذاعت، انتهى ما قاله العثماني.

وأثنى الشمس الموصلي على جملة منها نظماً فقال:

أحيا لنا العلم " يحيى " حين ألّفه ... ب " روضة "، و " رياض "، ثم " أذكار

و" شرحه مسلماً "، و " الأربعين "، وفي ... " تقريبه " شرح أنواع الأخبار

و" المبهمات " و " تهذيب اللغات "، وكم ... أبدى ل " منهاجه " تنبيه أنوار

فالله يجزيه عنا كل صالحة ... وأن يقينا وإياه من النار

وقد كانت " كما قرأته بخط الزين العراقي الحافظ بخطبة تخريجه الأكبر للإحياء " عادة المتقدمين السكوت على ما أوردوه من الأحاديث في تصانيفهم، من غير بيان لمن أخرج ذلك الحديث من أئمة الحديث، ومن غير بيان للصحيح من الضعيف، إلا نادراً، وإن كانوا من أئمة الحديث، ولكنهم مشوا على عادة من تقدمهم من الفقهاء، حتى جاء الشيخ محيي الدين النووي، فصار يسلك في تصانيفه الفقهية الكلام على الحديث، وبيان من خرّجه، وبيان صحته من ضعفه، وهذا أمر مهم مفيد. فجزاه الله خيراً. لأنه تحمّل عن ناظر كتابه التطلب لذلك في كتب الحديث، والمتقدمون يحيلون كل علم على كتبه، حتى لا يغفل الناس النظر في كل علم من كتب أهله ومضانه. وهذا الإمام أبو القاسم الرافعي يمشي على طريقة الفقهاء، مع سعة علمه بالحديث، حتى سمعنا شيخنا الحافظ أبا سعيد العلائي يقول: إن الرافعي أعرف بالحديث من الشيخ محيي الدين، فتوقفتُ في ذلك، فقال لي: هذه أماليه تدل على ذلك وعلى معرفته بمصطلحات أهله، وكذلك شرح " مسند الشافعي " له، ولكل من العلماء قصد ونية، على حسب ما وفِّق له وألهم، انتهى.

" المنهاج " وحفظ " المنهاج " بعد موته خلائق. وأثنى حجة العرب الجمال ابن مالك على حسن اختصاره وعذوبة ألفاظه، حتى قال لي: والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت لحفظته.

وامتدحه شيخنا الأديب الفاضل الرشيد أبو حفص عمر بن إسماعيل بن مسعود الفارقي، شيخ الأدب في وقته، بأبيات وقف عليها الشيخ بخطه، فقال:

اعتَنَى بالفضل " يحيى " فاغتَنى ... عن " بسيط ب " وجيز " نافعِ

وتحلَّى " منتقاه " فضله ... فتجلّى بلطيف " جامع "

ناصباً أعلام علمٍ، جازما ... بمقالٍ رافعاً لل " رافعي "

فكأنّ " ابن صلاحٍ " حاضرٌ ... وكأنْ ما غاب عنا " الشافعي "

قلت: وقال فيه الأسنوي أيضاً:

يا ناهجاً منهاجَ حَبْر وناسك ... دققت دقائق فكره وحقائقُهْ

بادر ل " محيي الدين " فيما رمتَه ... يا حبذا " منهاجُه " و " دقائقُهْ "

وقال غيره:

إن رمتَ فِقهاً صافياً كالعاج ... فعليك يا ذا الذهن ب " المنهاج "

فيه الصحيح مع الفصيح وعمدة ال ... مُفْتين والحكام والحُجّاج

من قاسه بسواه مان وذاك من ... غبْنٍ ومن حسدٍ وسوءِ مزاج

وللبرهان الجعبري:

لله دَرّ إمام زاهدٍ ورع ... أبدى لنا من فتاوى الفقه " منهاجا "

ألفاظُه كعقود الدّر ساطعةٌ ... على الرياض تزيد الحسن إبهاجا

فاسلكه تَحْظ بأحكام تُنيف على ... علم " المحرَّر " تأويباً وإدلاجا

<<  <   >  >>