للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) ظَاهِرٌ فِي صِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَأَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الطَّاعَاتِ. (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) قِيلَ: فِي قَطْعِ الرَّحِمِ. وَقِيلَ: فِي جَمِيعِ الْمَعَاصِي. (وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ). سُوءُ الْحِسَابِ الِاسْتِقْصَاءُ فِيهِ وَالْمُنَاقَشَةُ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنَى." يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ" الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ كُلِّهِمْ. الْحَسَنُ: هُوَ صِلَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيَحْتَمِلُ رَابِعًا: أَنْ يَصِلُوا الْإِيمَانَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ،" وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ" فِيمَا أَمَرَهُمْ بِوَصْلِهِ،" وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ" فِي تَرْكِهِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) قِيلَ:" الَّذِينَ" مُسْتَأْنَفٌ، لِأَنَّ" صَبَرُوا" مَاضٍ فَلَا يَنْعَطِفُ عَلَى" يُوفُونَ" وَقِيلَ.: هُوَ مِنْ وَصْفِ مَنْ تَقَدَّمَ، وَيَجُوزُ الْوَصْفُ تَارَةً بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَتَارَةً بِلَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى مَنْ يَفْعَلُ كَذَا فَلَهُ كَذَا، وَلَمَّا كَانَ" الَّذِينَ" يَتَضَمَّنُ الشرط، [و [الماضي فِي الشَّرْطِ كَالْمُسْتَقْبَلِ جَازَ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ:" الَّذِينَ يُوفُونَ" ثُمَّ قَالَ:" وَالَّذِينَ صَبَرُوا" ثُمَّ عطف عليه فقال:" وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ" قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَصَبَرُوا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: صَبَرُوا عَلَى الرَّزَايَا وَالْمَصَائِبِ، وَالْحَوَادِثِ وَالنَّوَائِبِ. وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ: صَبَرُوا عَلَى دِينِهِمُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ. (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) أَدَّوْهَا بِفُرُوضِهَا وَخُشُوعِهَا فِي مَوَاقِيتِهَا. (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً) يَعْنِي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا فِي" الْبَقَرَةِ" «١» وغيرها. (وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) أي يدفعون بالعمل


(١). راجع ج ١ ص ١٧٩.