<<  <  ج: ص:  >  >>

[الأغاني:]

وفي كتاب " الأغاني " نموذج آخر لاتجاهات هؤلاء في النشر، فقد لقي هذا الكتاب من العناية والمبالغة في شأنه أكبر مما لقيته " ألف ليلة وليلة "، ولن تخطئ أصابع المُسْتَشْرِقِينَ وراء ذلك، هذا الكتاب العجيب الغريب، الذي ليس أعجب منه إلاَّ حياة مؤلفه، فقد قالوا: «إنه أموي نسباً شيعي مذهباً» وهذا لم يتفق لأحد سواه، أما وصف حياته، وخلقه وسلوكه، ففيه ما يقبح ذكره (21)، ويكفي أنَّ علماء الرجال الأثبات قالوا في الحُكْمِ على روايته «كَذَّابٌ يأتي بالعجائب والغرائب بِحَدَّثَنَا وَأَنْبَأَنَا» (22).

هذا الكتاب وما لقيه من اهتمام ظهر أيضاً في العناية بطبعه، وإخراجه ونشره وإذاعته، ثم في الدراسات والأبحاث حوله، ثم تيسيره وإتاحته لكافة المستويات على هيئة " تجريد الأغاني "، و " تهذيب الأغاني "، و " مختارات الأغاني ". ثم أيضاً حلقات إذاعية ومسلسلات، حتى صار هو المصدر الأول (لكل) الدراسات الأدبية (تقريباً) وتعدَّى ذلك إلى دراسة التاريخ، بل وتاريخ الفكر من فقه وتفسير وعقيدة، ومن ثم استشرى خطره وصار ما فيه من طرائف وغرائب أحكاماً ثابتة، وقضايا مقررة، يستند إليها من يطعنون في رُواة السُنَّة، وفي فتاوى الأئمة، وآراء الفقهاء، وأحكام القضاة.

وصار وهو كتاب " الأغاني " أي يُؤَرِّخُ لجانب من جوانب الحياة، هو جانب اللهو والعبث، صار ما فيه من استطراد، وأخبار تابعة لأخبار اللهو والمجون، صار ذلك هو الأصل، والأساس الذي يبني عليه، والمصدر الذي يُعتمد عليه عند الدارسين، وما ذاك إلاَّ لأنه أقرب موردٍ إليهم، وأيسر شِرْبٍ بين يديهم، فمنه يعبون، وبه يَرْتَوُونَ وَيَرْوُونَ، حتى شربت الأُمَّةُ كلها أو كادت من هذا النبع المسموم.


(21) منذ فترة ونحن نعد بحثاً في هذا الموضوع جعلنا عنوانه " كتاب الأغاني - ذلك النهر المسموم " لكن تجذبنا الشواغل وما يَجِدُّ من قضايا هنا وهناك، فلا نفرغ له. فعسى أنْ يكون ذلك قريباً إنْ شاء الله.
(22) " ميزان الاعتدال "، و " لسان الميزان ".

<<  <  ج: ص:  >  >>