للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومِنْ أحْسَنِ مَا يُحْكَى عَمَّنْ يَذْهَبُ هذا المذْهَبَ (١)، مَا حَكاهُ الحافِظُ أبو بَكْرٍ البَرْقَانيُّ عَنْ أبي حاتِمٍ محمدِ بنِ يَعْقُوبَ الهَرَوِيِّ - أحَدِ رُؤَسَاءِ أهلِ الحديثِ بخُرَاسَانَ - أنَّهُ قَرَأَ عَلَى بَعْضِ الشُّيوخِ عَنِ الفِرَبْرِيِّ (٢) " صحيحَ البخاريِّ "، وكانَ يَقُولُ لهُ في كُلِّ حديثٍ: ((حَدَّثَكُمُ الفِرَبْرِيُّ)) فلَمَّا فَرَغَ مِنْ الكِتَابِ، سَمِعَ الشَّيخَ يذكُرُ أنَّهُ إنَّما سَمِعَ الكِتَابَ مِنَ الفِرَبْرِيِّ قِرَاءَةً عليهِ، فأعَادَ أبو حاتِمٍ قِرَاءةَ الكِتَابِ كُلِّهِ، وقَالَ لهُ في جميعِهِ: ((أخْبَرَكُمْ الفِرَبْرِيُّ)) (٣)، واللهُ أعلمُ.

تَفْرِيْعَاتٌ

الأوَّلُ: إذا كانَ أصْلُ الشَّيخِ عِندَ القِرَاءَةِ (٤) عليهِ بِيَدِ غَيْرِهِ وهوَ موثُوقٌ بهِ، مُرَاعٍ لِمَا يَقْرَأُ، أهْلٌ لذلِكَ، فإنْ كانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ ما يُقْرَأُ عليهِ فهوَ كَمَا لَوْ كَانَ أصْلُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ، بَلْ أوْلَى لِتَعَاضُدِ ذِهْنَي شَخْصَيْنِ عليهِ، وإنْ كَانَ الشَّيْخُ لاَ يَحْفَظُ ما يُقْرَأُ عليهِ، فهذَا مِمَّا اختَلَفُوا فيهِ: فَرَأَى بعضُ أئِمَّةِ الأُصُولِ (٥) أنَّ هَذَا سَمَاعٌ غَيرُ صَحيحٍ، والمخْتَارُ أنَّ ذَلِكَ صَحيحٌ وبهِ عَمِلَ مُعْظَمُ الشُّيوخِ وأهْلِ الحديثِ. وإذا كانَ الأصْلُ بِيَدِ القَارِئِ وهوَ موثُوقٌ بهِ دِيْناً ومَعْرِفَةً، فكذَلِكَ الحكْمُ فيهِ، وأوْلَى بالتَّصْحِيْحِ، وأمَّا إذا كَانَ أصْلُهُ بِيَدِ مَنْ لاَ يُوثَقُ بإمْسَاكِهِ لهُ، ولاَ يُؤْمَنُ إهْمَالُهُ لِمَا يَقْرَأُ، فَسَوَاءٌ كَانَ بِيَدِ القَارِئِ أوْ بِيَدِ غَيْرِهِ في أنَّهُ سَمَاعٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ به إذَا كانَ الشَّيخُ غَيرَ حافِظٍ للمَقْرُوءِ عليهِ، واللهُ أعلمُ.


(١) شكك الزركشي في هذه القصة في نكته ٣/ ٤٨٦ - ٤٨٧ ثم قال: ((فكأن هذه الحكاية لم تصحّ)). وانظر: محاسن الاصطلاح ٢٥٢ - ٢٥٣، وفتح المغيث ١/ ٤١٨.
(٢) هو أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن مطر الفِرَبْرِيُّ، راوي الجامع الصحيح عن البخاري، توفي سنة (٣٢٠ هـ‍). قال صاحب الأنساب ٤/ ٣٣٤ عن الفِرَبْرِيُّ: ((بفتح الفاء والراء، وسكون الباء الموحدة وبعدها راء أخرى. هذه النسبة إلى فربر، وهي بلدة على طرف جيحون مما يلي بخارى))، ومثل هذا في وفيات الأعيان ٤/ ٢٩٠. وفي التاج ١٣/ ٣١١: ((فِرَبْر، كِسَبْحل، وضُبِط بالفتح أيضاً، وذكر الحافظ في التبصير الوجهين))، وبالوجهين في سير أعلام النبلاء ١٥/ ١٢، ومعجم البلدان ٤/ ٢٤٥.
(٣) هذه القصة في الكفاية: (٤٣٦ ت، ٣٠٣ - ٣٠٤ هـ‍)، وانظر: محاسن الاصطلاح ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٤) انظر التقييد والإيضاح: ١٧١.
(٥) هذا الأصولي، هو أبو بكر الباقلاني ووافقه إمام الحرمين. الإلماع: ٧٥، والبرهان ١/ ٤١٣. قال الزركشي ٣/ ٤٨٨ ((والعجب من المصنف في عزوه ذلك لبعض الأصوليين، وقد نقله الحاكم عن مالك وأبي حنيفة)).

<<  <   >  >>