للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[علم الهيئة]

هو من أصول الرياضي وهو علم يبحث فيه عن أحوال الأجرام البسيطة العلويّة والسفليّة من حيث الكميّة والكيفية والوضع والحركة اللازمة لها وما يلزم منها. فالكمية إمّا منفصلة كأعداد الأفلاك، وبعض الكواكب دون أعداد العناصر فإنها مأخوذة من الطبعيات «١»، وإمّا متّصلة كمقادير الأجرام والأبعاد واليوم وأجزائه، وما يتركّب منها. وأمّا الكيفية فكالشّكل إذ تتبين فيه استدارة هذه الأجسام، وكلون الكواكب وضوئها. وأمّا الوضع فكقرب الكواكب وبعدها عن دائرة معينة وانتصاب دائرة وميلانها بالنسبة إلى سمت رءوس سكان الأقاليم وحيلولة الأرض بين النيرين، والقمر بين الشمس والإبصار ونحو ذلك. وأما الحركة فالمبحوث عنه في هذا الفن منها هو قدرها وجهتها. وأمّا البحث عن أصل الحركة وإثباتها للأفلاك فمن الطبعيات «٢». والمراد باللازمة الدائمة على زعمهم وهي حركات الأفلاك والكواكب، واحترز بها عن حركات العناصر كالرياح والأمواج والزلازل، فإن البحث عنها من الطبعيات «٣». وأما حركة الأرض من المغرب إلى المشرق وحركة الهواء بمشايعتها وحركة النار بمشايعة الفلك، فممّا لم يثبت، ولو ثبت فلا يبعد أن يجعل البحث عنها من حيث القدر والجهة من مسائل الهيئة. والمراد بما يلزم من الحركة الرجوع والاستقامة والوقوف والتعديلات، ويندرج فيه بعض الأوضاع. ولم يذكر صاحب التذكرة «٤» هذا القيد، أعني قيد ما يلزم منها، والظاهر أنّه لا حاجة إليه. والغرض من قيد الحيثية الاحتراز عن علم السماء والعالم، فإن موضوعه البسائط المذكورة أيضا، لكن يبحث فيه عنها لا عن «٥» الحيثية المذكورة، بل من حيث طبائعها ومواضعها والحكمة في ترتيبها ونضدها وحركاتها لا باعتبار القدر والجهة.

وبالجملة فموضوع الهيئة الجسم البسيط من حيث إمكان عروض الأشكال والحركات المخصوصة ونحوها، وموضوع علم السماء والعالم الذي هو من أقسام الطبعي «٦» الجسم البسيط أيضا، لكن من حيث إمكان عروض التغيّر والثبات. وإنما زيد لفظ الإمكان إشارة إلى أنّ ما هو من جزء الموضوع إمكان العروض، لا العروض بالفعل الذي هو المحمول، فإن ما يكون جزء الموضوع ينبغي أن يكون مسلّم الثبوت، وهو إمكان العروض لا العروض بالفعل.

وقيل موضوع كل من العلمين الجسم البسيط من حيث إمكان عروض الأشكال والحركات والتمايز بينهما، إنما هو بالبرهان، فإن أثبت المطلوب بالبرهان الإنّي يكون من الهيئة، وإن أثبت بالبرهان اللّمّي يكون من علم السماء والعالم؛ فإنّ تمايز العلوم كما يكون بتمايز الموضوعات كذلك قد يقع بالمحمولات. والقول بأن التمايز في العلوم إنما هو بالموضوع فأمر لم يثبت بالدليل، بل هو مجرد رعاية مناسبة.

اعلم أنّ الناظر في حركات الكواكب وضبطها وإقامة البراهين على أحوالها يكفيه الاقتصار على


(١) الطبيعيات (م، ع).
(٢) الطبيعيات (م، ع).
(٣) الطبيعيات (م، ع).
(٤) التذكرة النصيرية في الهيئة لنصير الدين محمد بن محمد الطوسي (- ٦٧٢ هـ/ ١٢٧٣ م). كشف الظنون ١/ ٣٩١
(٥) من (م).
(٦) الطبيعي (م، ع).