للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشبهة الرابعة والتسعون:

العلم نور:

إن الهوى يعمي ويصم، إن مصيبة دعاة الاختلاط أنهم يصدرون حكما مسبقًا بجوازه ثم ينظرون في ظواهر الأحاديث لعلهم يجدون فيها بغيتهم، فإذا ظفروا بما يظنونه دليلًا قالوا بلسان الحال: ها هو فعل الصحابة فأين نحن من الصحابة؟

ويستدلون بمثل هذا الموقف:

عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ فِي بَيْتِ بِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَعَطَسْتُ فَلَمْ يُشَمِّتْنِي، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا، فَلَمَّا جَاءَهَا قَالَتْ: «عَطَسَ عِنْدَكَ ابْنِي فَلَمْ تُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَّهَا»، فَقَالَ: «إِنَّ ابْنَكِ عَطَسَ فَلَمْ يَحْمَدْ اللهَ فَلَمْ أُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ فَحَمِدَتْ اللهَ فَشَمَّتُّهَا؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - يَقُولُ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدْ اللهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ» (رواه مسلم).

إن المستدل بهذا الموقف ـ والذي كان يحارب الاختلاط يومًا ما ـ ظن أن أبا بُردة دخل على أبي موسى الأشعري في بيت بِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وهي أجنبية عنهما، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَهَا، ولم يشمِّتْ أبا بردة، فلما ذهب أبو موسى لأم أبي بردة لامَتْهُ في ذلك.

وأبو بردة هو ابن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، وبِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ هِيَ أُمّ كُلْثُوم بِنْت الْفَضْل بْنِ عَبَّاس اِمْرَأَة أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، تَزَوَّجَهَا بَعْد فِرَاق الْحَسَن بْن عَلِيّ لَهَا، وأم أبي بردة هي اِمْرَأَة أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ كما قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم (١).

فالحوار كله بين أبي موسى وابنه وزوجتيه، فأين الاختلاط هنا وأبو موسى - رضي الله عنه -


(١) شرح صحيح مسلم (١٨/ ١٢٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>