للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

كانت تقوم عليها المجتمعات الحديثة في الغرب قد خربت فلم تجد أوروبا شيئاً تستعيض به عنها. فالقانون العسكري كان المهيمن الذي لقن أهل الغرب قليلا من الصبر والثبات وأشرب قلوبهم فكر المفاداة وأورثهم الميل نحو الكمال موقنا وبه قضى على الأنانية والترف الذي يستولي على الشعوب فينهك قواها. ضريبة الخدمة العسكرية ثقيلة تذكر باشق إدوار العبودية القديمة ولكنها لا يتأتى لمجتمع القيم بدونها ومن زهد فيها أندغم من غيره أو أغارت عليه الأمم المتوحشة فلا يجد إلى دفعها سبيلا. قال السير مولتكه في مفكراته: لا يخضع الشبان إلا زمنا قصيراً في الجملة لنفوذ المدرسة النافع ومن حسن الحظ عندنا معاشر الألمان أن التربية الحقيقية تبدأ حالما تنتهي التربية الشخصية وما من أمة أحرز مجموعها تربية تشبه تربيتنا التي جاءتنا من طريق الخدمة العسكرية. قالوا إن معلم المدرسة هو الذي كتب النصر لأعلامنا ولكن العلم وحده لا يكفي في تربية الإنسان والأخذ بيده إلى مستوى من الأخلاق يستعد به لأهراق دمه في سبيل تأييد فكر والقيام بواجب وفي طريق الشرف والوطن وغلى هذا كله ترمي تربية الإنسان. فليس معلم المدرسة هو سبب النصر بل السبب هو المربي الحقيقي: الحكومة العسكرية هي التي انتصرت فربت في الناس مدة ستة عشر سنة متوالية القوة الجسدية والعقلية وعلمتهم النظام والتدقيق والاستقامة والخضوع وحب الوطن. إن نفع القانون العسكري لا يقتصر على تعليم الأمم الشمم والإهابة بأخلاقها إلى السمو بل إليه يرجع ألفضل في النجاح العظيم الذي أحرزته الصناعة الحديثة ولا سيما في أعمال المعادن وذلك لأن البحث الذي وقع لأستجادة السلاح قد كان من إثره إدخال الصناعة في طور علمي دقيق وفي سرعة لم تكن تعرف منذ خمسين سنة على نحو ما كانت الضرورات الحربية مؤدية إلى انتشار الخطوط الحديدية فكانت الأصل في معظم الكمال الذي بلغته الملاحة في البحر. فالحروب والخوف منها هي من أقوى العوامل الأخلاقية والمادية في الشعوب ومن الأفكار العسكرية يتألف أخر عماد بدعم المجتمعات الحديثة وبذلك كان على الشعوب التي لم ترض عن الجندية أن تعترف لها بالجميل. وعلينا ألا نشكو كثيراً من النفرة المتبادلة بين الشعوب إذ بدونها يزول كل خشية ممن الحرب وبذلك تضمحل المدنية فتغدو رباعها بلقعاً. مثال الأمم التي اضر بها السلام أهل الهند فإنهم يعيشون منذ زهاء قرن في سلام دائم وبلادهم أوسع البلاد