<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما الدعوى بأنَّ الظن في أحكام الدين غير جائز فذلك فيما يتعلق بأصول الدين التي يكفر من جحدها أو شك فيها كوحدانية الله تعالى ... أما فروع الدين وجزئياته فالعمل بالظن واجب ولا سبيل إليها إلاَّ الظن بالظن غالبًا.

وأيضًا، فإنَّ حُجِيَّةَ خبر الآحاد ليست ظنية بل هي مقطوع بها لانعقاد الإجماع على ذلك بين العلماء منذ عصر الصحابة فمن بعدهم فلا يكون العمل بها دليلاً ظنيًا بل بدليل مقطوع به مفيد للعلم بذلك وهو الإجماع (1).

الشُبْهَةُ الخَامِسَةُ:

قالوا: أثر عن بعض الصحابة النهي عن التحديث أو التقليل منه ولم تُدَوَّنْ السُنَّة إلاَّ في عصور متأخرة بعد أنْ طرأ عليها الخطأ والنسيان ودخل فيها التحريف والتغيير وذلك مِمَّا يوجب الشك بها وعدم الاعتماد عليها في أخذ الأحكام.

الرد:

الجواب على هذا: هو أَنَّ تحرز بعضهم عن التحديث أو النهي عنه فذلك من شدة الاحتياط في الدين أَنْ يذكروا عن رسولهم ما قد يخطئون فيه كما صَرَّحَ بذلك الزبير، أما من كان قوي الذاكرة فقد حَدَّثَ بلا حرج، كابن عباس وابن مسعود، على أنَّ الأخبار عن كتابة الصحابة والتابعين للحديث متواترة معنويًا لا مجال لطالب الحق معه أنْ ينكرها أو يتشكَّك فيها.

أما القول بأنَّ السُنَّة قد تأخر تدوينها فزالت الثقة بضبطها وأصبحت مجالاً للظن والشك، والظن لا يجوز في دين الله - فهذا قول من لم يقف على جهود العلماء في مكافحة التحريف والوضع والكذب.

«وإذا كانت السُنّة قد نقلت بالضبط والحفظ غالباً والكتابة أحياناً، من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الأول حيث دَوَّنَ الزُّهْرِي السُنّة بأمر عمر


(1) " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص 160، 179. و " الأحكام " للآمدي: 1/ 169.

<<  <  ج: ص:  >  >>