للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[٥ - التعليم والحالة الاجتماعية في مصر]

للأستاذ إسماعيل مظهر

لقد بلغنا من البحث ذلك المبلغ الذي يهيئ لنا أن نخلص إلى النتائج، فقد شرحنا الأسباب التي أفضت بنا إلى تخريج متعلمين عاطلين لا عمل لهم، ولا بيئة يمكن أن ينتفع فيها بما تعلموا، وصورنا مجمل النتائج الاجتماعية التي تترتب على هذه الحال، وطبقنا النظريات الاجتماعية فاستنبطنا منها صورة لما سوف يكون عليه مجتمعنا في المستقبل القريب والنتائج السيئة التي ستظهر آثارها جلية واضحة في عجزنا عن الاحتفاظ بحملة اجتماعية ثابتة قوية الأركان، وعطفنا من ثم على وصف صورة من أدبنا ووطنيتنا، وعزونا كل النقائص إلى نظرية جديدة محصلها أن الانفصال عن ثقافتنا التقليدية كان سبباً في أن نصبح ككائن حي لا معدة له، يأكل ولا يهضم، فتراكمت في كيانه كل النفايات التي لا تلائم طبعه ولا تتفق ومزاجه، وأن ذلك كان سبباً في ألا تظهر له شخصية خاصة به، وأصبح كَلاًّ على غيره بأن فقد استقلاله الذاتي في الحياة

ويجدر بنا بعد ذلك أن نعين مم تتكون الثقافة التقليدية، ليتيسر لنا أن نحدد البحث تحديداً منطقياً مقبولا، فإن لكل ثقافة تقليدية اختصت بها أمة من الأمم مكونات تنتهي إلى أصول بعينها؛ وعندي أن للثقافة التقليدية عنصرين: الأول عنصر عقلي، والثاني عنصر معاشي، وكلاهما موروث؛ فالأول يتكون وراثة من اللغة والدين والتاريخ والأدب والفنون الخ، والثاني يتكون وراثة من كل ما يتعلق بالأحوال المعاشية، وهي في مصر الزراعة وما يتعلق بها من المنتجات، ومن أجل أن يكمل استقلال الفرد استقلالا عملياً في الحياة، ينبغي أن يتجه تنشيئه إلى أصل أساسي، وبالأحرى إلى سياسة عملية ترمي إلى وصله بالعنصرين وصلا وثيقاً، حتى يستطيع أن يمثل جميع ما يلقح به من مقتضيات الثقافة الحديثة، فيكفيها على حسب ما تتطلبه حاجات ثقافته التقليدية، وأن ينفي عن جسمه كل ما هو غير ملائم له، فيضل سليما؛ شأن كائن اتصف بكل ما تمده به حيوية مكتملة من الصفات الضرورية للحياة، وتتكافأ في كيانه كل الأعمال المنظمة التي ترجع إلى قدرة أعضائه على تنظيم وظائفها المتبادلة تنظيما دقيقاً يساعد الطبيعة على أن تفسح له في الحياة مركزاً جديراً بما يتصف به من صفات، وبما له من مقدرة على الاستقلال بذاته

<<  <  ج:
ص:  >  >>