للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[منذ ألف عام]

للأستاذ علي عبد الرازق

يوجد بين حياة الشرق في العصر الحاضر، وبين حياته منذ ألف عام مضت، نوع من التشابه يستوقف النظر. وقد يكون في دراسة هذا التشابه واستقصاء البحث فيه لذة ومتاع للنفس؛ وقد يكون فيه مع ذلك فائدة للعلم

وما ندعي أننا نستطيع الآن أن نستوفي جوانب هذا البحث أو نلم به إلمامة واسعة، وإنما نريد أن نفتح هذا الباب للباحثين لعلهم يجدون فيه خيرا كثيرا من أنواع المتاع وفنون العلم

وفي الحق أنه يوجد دائماً نوع من التشابه بين صور هذه الحياة الدنيا ماضيها وحاضرها وقديمها وحديثها؛ ومادام الناس هم الناس في جميع العصور، ومادامت كواكب السماء تروح وتغدو في دورة منتظمة لا تبديل فيها منذ وجدت كواكب السماء، ومادامت الأرض هي بعينها الأرض في الماضي والحاضر، فمن الطبيعي أن تتشابه إلى حدِ ما صور الحياة وأن يحاكي بعض الحوادث بعضا

والذي يقارن بين أي جزء من أجزاء التاريخ وبين أي جزء آخر منه لا يعجز عن أن يتبين بينهما مظاهر من التشابه والتماثل؛ ولكن التشابه الذي يجده الناظر بين حياتنا الحاضرة وبين الحياة من ألف عام ليس هو من هذا النوع الذي يلحظ بين جميع أجزاء الحياة وجميع مظاهرها. وليس هو من القلة بحيث لا يستلفت النظر ولا يثير رغبة البحث. فالتشابه هنا ظاهر وقوي يكاد يجعلهما صورة واحدة لعصر واحد

على أنه مع ظهوره وقوته لا يبلغ أن يكون دليلا على تماثل العصرين من جميع الوجوه، ولا على اتفاق العصرين في جميع الصفات والخصائص؛ وهو لذلك لا يبلغ أن يكون دليلاً قاطعاً على صحة ما يذهب إليه بعض الباحثين من أن التاريخ يعود بنفسه

منذ عام توفي المرحوم أحمد شوقي أمير الشعراء؛ ومنذ ألف عام توفي أبو الطيب المتنبي؛ وبين الرجلين من التماثل ما يشبه أن يكون مثلاً صادقاً لرجعة التاريخ، فقد يمكن القول بأن متنبي القرن الرابع كان شوقي القرن الرابع عشر، وبأن شوقي القرن الرابع عشر كان هو متنبي القرن الرابع

دع عنك ديباجة الشعر وما بين الشاعرين في ذلك من توافق جد قريب؛ وانظر إلى ما

<<  <  ج:
ص:  >  >>