للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

جرعة عقلية واحدة بلغ كل الذي فيه، وصار من أنصار نظرية النشوء الشديدين. ومن هذا الوقت دان بهذه النظرية إلى أن تهيأ له الوقت ليصطنع لنفسه من العلم ديانات جديدة يدين بها.

نسي ما أختطه لهلاك نفسه، وبدأ يخطط الخطط لأبحاث في هذه النظرية الجديدة، ورقد الليل ولكن لم ينمه لأنه أخذ يتخيل الخيالات عن ساحات واسعة قد امتلأت بطوائف الأجناس الحيوانية من الصرصور الصغير إلى الفيل الكبير، ثم تخيل إلى جانبها حيا بالغ الصغر هو جدها الكبير الأبعد.

وكان هذا الانقلاب بدء حياة متشينيكوف الحق، فأنه عندئذ خرج يحاج ويشاجر من معمل إلى معمل، ومن روسيا إلى ألمانيا إلى إيطاليا، ومن إيطاليا إلى جزائر هيليجو لاند وأدام هذا الشجار والحجاج عشر سنوات، واشتغل في بحث نشأة الديدان، وأتهم لوكارت عالم الحيوان العلامة بسرقة بضاعته؛ وكانت أصابعه لا تحسن العمل الدقيق، وكان لا يرجى لها أن تتعلم إحسانه، فذات مرة جاء بعظاية وضرب فيها بكلتا يديه ضربة المستقتل اليائس يريد أن يكشف في بطنها عن سر النشوء، فلما أعجزه أن يعلم منه شيئاً رمى بالذي تبقى من الزاحفة عبر المعمل. كان متشينيكوف على نقيض كوخ ولوفن هوك، فهذان الرجلان العظيمان عرفا كيف يتلطفان إلى الطبيعة فيسألانها عما يريدان وفازا منها بالجواب. أما صاحبنا فقرأ كتباً في نظرية النشوء، فألهمته وحمسته، فأمن بها.

وأعلن إيمانه مسموعاً عالياً، ثم جاء بعد ذلك يعالج التجارب لا ليمتحن بها عقيدته الجديدة، بل ليفرضها على الطبيعة فرضاً، وليدسها في حلقها لتبلعها اغتصاباً. ولكن العجيب أنه أصاب في هذا أحياناً، وعندئذ كانت إصابته ذات خطر كبير. ولم يكن عندئذ يعلم شيئاً عن المكروب، أعني في أخر العقد الثامن من القرن الماضي. ولكن إلحاحه كالمجنون في إثبات أن الأصلح هو الأبقى، وأن الفاسد للذهاب، هو الذي ساقه إلى تلك النظرية البديعة الخلابة نظرية الحصانة التي تصف كيف يصد الإنسان هجمات الفاتكات من المكروب، وهي نظرية صحيح بعضها برغم مظهرها الخيالي الذي لا يدعو إلى التطامن إليها

كانت السنوات الخمس والثلاثون الأولى من حياته كثيرة الاضطراب والصخب أشرف فيها على المهالك، ولكنه سار من طريقها المْخطر على جسر ضيق نفذ به في أخر الأمر إلى

<<  <  ج:
ص:  >  >>