للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

لأنه أجدى على الناس، وأعود على الأدب، وأجدر بالكاتب المرسل؛ ولكنني لا أفهم أن يكون انصرافك عن النقد نتيجة محتومة لانصراف الشباب عنك؛ لأن ذلك يناقض طبيعة النقد في ذاته، ولا يوائم فيما أظن قولك: (إن نقد الأثر الأدبي يدل على علو الكعب في العلم أو في الثقافة أو في التهذيب)

يخيل إليَّ أن منشأ هذا الخلاف أنك سميت التمرد نقداً، والنقد تحليل تاريخ وتعليل أدب؛ فان من أقوى خصائص الشباب ذلك الطموح الذي يولد القلق، والقلق الذي يخلق التمرد، والتمرد الذي يحدث الثورة. في هذا معنى الحياة ومعنى التطور ومعنى التكمل ومعنى التحرر، ولكن ليس فيه على الكثير الغالب معنى التمييز الذي يقتضي طول الخبرة، والتفضيل الذي يوجب شمول العلم، والحكم الذي يطلب نزاهة العقل.

إنك لا تستطيع أن تُخلص الشباب من سطوة الهوى وفتنة الغرور وغلبة العاطفة؛ وأولئك هن آفات النظر الفاحص والرأي المستقر؛ فالشاب يخضع في أحكامه لتأثير الساعة من قراءة أو صداقة أو استفزاز أو اشمئزاز أو إيحاء أو مرض؛ وهو في تسبيب هذه الأحكام يتعارض مع المعروف ويتناقض مع الواقع.

هذا كاتب شاب أعجلته ضرورات العيش عن استكمال العدة للكتابة، فهو يكتب بقوة المحاكاة، لا يحور إلى فن ولا يجري على مذهب؛ وهو بالطبع يفتقد الكلام المعرب والأسلوب المحكم والأدب الموروث، على حين يحفظ عن ظهر الغيب قواعد اللغة الأجنبية، ولا يجيز لنفسه أن يخطئ في صيغها المتعددة ولا في إملائها المعقد. وهذا أديب شاب ينتقدك أنت ويرميك بالرجعية وتمليق العامة، لأنك كتبت عن (محمد) بعد أن كتبت عن (روسو) و (شلي). وهذا مؤلف شاب له كتاب في نقد (حافظ) لم أقرأه بعد، كتب إلي يتهمني بأنني قصدته بمقالي لأنني كتبته على أثر ظهور كتابه. ويقول إنه يستطيع أن ينقد ما كتبته في الرواية المسرحية بأنه منقول عن الفرنسية. ودليله بالطبع أن هذا الموضوع لا مرجع له في أدب العرب، إذن فمن أين جاء؟ من اللغة الفرنسية التي أعلمها! ولو كنت أعلم الإنجليزية مثلاً لكان النقل عنها ولا شك، ما دام النقد في عرفه حكما من غير تعليل ودعوى من دون دليل. ولا أدري لم لم يقل إن كتابي في تاريخ الأدب العربي منقول عن العربية كذلك لأن مراجعه منها!

<<  <  ج:
ص:  >  >>