للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[فلسفة التربية كما يراها فلاسفة الغرب]

للأستاذ محمد حسن ظاظا

- ٤ -

جولة في أغراض التربية

أوردت لك فيما سبق تفسير الفلسفة للتربية، وكشفت عما بينهما من علاقة، وأبنت ضرورة الأولى للثانية، ثم تناولت الثانية ذاتها ببعض الشرح والتحديد. وأحب اليوم أن أجول بك في (أغراض) هذه (العملية الكبرى) التي اصطلحنا على تسميتها بالتربية والتعليم!

لِمَ يتعلم الناس؟ وفيم تقام لهم هذه المدارس وتلك الجامعات التي تنفق فيها الجهود الطائلة والأموال الجسيمة؟ أظنك قد أصبحت ترى معي أن من حق الفلسفة بل من واجبها أن تناقش ما عسى أن يكون لهذه (العملية الكبرى) من أغراض، علها تستطيع أن تهدينا إلى (الغرض الأسمى)!

والحق أنه إن لم يكن للتربية غرض واضح محدود صريح فإن عمليتها لا تعدو أن تكون ضرباً في الهواء مصيره الفشل المحتوم!؛ ولما كانت حياة (الأفراد) على ظهر الأرض واحدة لا رجعة لها ولا تكرار؛ ولما كانت (التربية) هي الأداة التي تعدنا لهذه الحياة الواحدة القصيرة، فإنه لا شك في ضرورة (إيجاد) ذلك (الغرض الأسمى) الذي نستطيع به - وبه وحده - أن نستغل (العمر) إلى أبعد حدود الأستغلال، وأن نتمتع به إلى أقصى وأرفع حدود التمتع

ولكنك تعلم أن الفلسفة حينما تعرض لمثل هذا (المشكل) لا تستطيع أن تنجو من ذلك (التباين) الهائل الذي يبدو في أغلب مذاهبها

يقول الأستاذ بولزن في أسلوب عذب رشيق (يريد المرء أن يلعب ويتعلم، وأن يعمل ويكتسب، وأن يملك وينعم، وأن يكون ويخلق، وأن يحب ويعجب، وأن يطيع ويحكم، وأن يجاهد ويفوز، وأن يردد الشعر ويحلم، وأن يفكر ويبحث وأن يجرب علاقة الابن بأبيه، والتلميذ بأستاذه، والخادم بسيده، وأن يعيش قنوعاً؛ أخا بين أخوة، وصديقاً بين أصدقاء، وزميلاً بين زملاء، ومواطناً بين مواطنين، وحبيباً وعدواً، وزوجاً ووالداً ومربياً؛ كل ذلك

<<  <  ج:
ص:  >  >>