للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

أن يعرف ثم تأتى الفائدة في الطريق، وليس؛ يراد على معرفة شيء كما يراد على جهله، لأنه مسوق بسلطان الضرورة القاهرة إلى ما يريد

ولست أعني بسيادة العارف أن المعرفة سلاح في يديه يصل به إلى السيادة كما يصل المرء إلى السلطان بالسيف والمال والحيلة

كلا. فلو كان كل في ما المعرفة من سيادة أنها كالسلاح في هذا المطلب لكانت أداة تؤدي إلى غيرها ولم تكن غاية تتأدى إليها المقاصد وتنتهي إليها اللبانات.

ولكنما عنيت أن طلب المعرفة للمعرفة هو هو السيادة، وهو هو العلامة على أن الإنسان (سيد)، يفهم ما يفهمه لأنه طبيعة فيه ووظيفة من وظائف عقله وتكوينه، لا لأنه مغرى به إغراء الطمع، ولا لأنه مسوق إليه سوق الإجبار والإكراه

لم تعرف النفس؟

ألا تسأل: لم تنظر العين؟ ولم تسمع الأذن! ولم يشم الأنف؟ ولم تدرك الحواس؟

إن العين لا تنظر لسبب غير أنها حاسة فيها قوة النظر، والأذن لا تسمع لسبب غير أنها حاسة فيها قوة السماع، وكذلك الأنف وكذلك كل حاسة في الإنسان أو الحيوان. فما بالنا نبتغي سبباً للعقل أو للبصيرة حين يدركان ويعرفان؟ لماذا تنظر العين لغير علة ولا مطمع ولا فائدة، ثم نأبى على العقل أن يدرك ما يدرك إلا للعلل والمطامع والفوائد، وإلا لهذه العلل والمطامع والفوائد التي نحصرها في أضيق الحدود وأقرب الحاجات.

لأحرى بنا أن نسأل: لماذا يحجم العقل عن المعرفة، وأن نسأل لماذا تحجم العين عن النظرة، وأن نسأل لماذا تعجز الحواس عن الإدراك

عندئذ نفهم الجواب ولا يطول بنا العناء في فهمه، فذاك أن الحواس عاجزة مكفوفة، وأن العين عمياء، وأن العقل معدوم أو ضعيف.

أما أن نسأل لماذا يعنى العقل بالمعرفة فذاك هو اللغو والفضول، وذاك هو السؤال الذي يشبه سؤالنا: ما بال العين تقع على ما تراه ولا تنحرف عنه ولا تأبى النظر إليه

حسب الشيء أنه يرى ليكون ذلك حقاً له في رؤية العيون

وحسب الشيء أنه يعرف ليكون ذلك حقاً له في معرفة البصائر والعقول

فأن جعلنا للمعرفة ثمناً من الحطام أو ثمناً مما يشبه الحطام فهي أذن معرفة اضطراراً أو

<<  <  ج:
ص:  >  >>