للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(الطعمية) الفاخرة تحيط بها أصناف المشهيات. . . ومن ثمَّ يختفي أمامك العالم الجهبذ، ليحل مكانه (ابن البلد) الوجيه العريق في المصرية، فلا يعوزه إلا (اللائة) يديرها على رأسه، فينطلق في مسارح (سيدنا الحسين) يلوح في يمينه بعصا الفتُوَّة!!

والحق أن جلسة واحدة مع الدكتور بشر تريح الأعصاب، وتملأ القلب من إيناس، وتحوّل نظر المرء إلى ناحية الرفّافة الجميلة في الحياة. . .

صاحَبَنَا الدكتور بشر وقتاً، ثم طلبناه حيناً فلم يجده، فكأنه (فص ملح وداب) كما يقولون. . ثم عاد إلى الظهور، ولكن في فترات متقطعة نادرة. كنا نراه اتفاقاً في الطريق مهرولاً لا يقر له قرار، وهو محاط بشرذمة من النجارين والحدادين والطلاَّئين. فإذا ما استوقفناه، فسألناه عن سبب غيبته، أشار إلى مرافقيه، وقال وهو يتأفف في لهفة المكدود: ألا ترون أني مشغول؟! ويتابع سيره في عجلة واهتمام، وقد اشتبك مع صُنَّاعة في مناقشة حادة. . . فلا نشك لحظة في أنه ودَّع العلم والأدب والتحق بزمرة المقاولين!

وبينما كنا في مجلس نذكر صديقنا بِشراً بالخير، ونأسف لتوديعه الأدب؛ إذا به يفاجئنا بدعوة ظريفة إلى مسكنه الجديد في (جاردن ستي). فقمنا من ساعتنا إليه، فوجدنا أنفسنا في متحف فنيّ، كل ما فيه يشف عن ذوق سليم غاية في السموّ

وجعل صاحب الدار يمر بنا في مقاصير المسكن وقاعاته المنشأة على أحسن طراز، ويقف بنا أمام تحفه واحدة بعد أخرى، وهو يشرح لنا تاريخها وقيمتها شرح خبير. فهنا صورة طريفة محلاَّة بإمضاء فنان، وهنالك صحفة من الفن الصيني الثمين يرجع تاريخ صُنعها إلى عهود غابرة، ترى بجوارها مقعداً لطيفاً على شكل رَحْل من رحال الجِمال. . . وفي ركن من أركان الغرفة يقوم ذلك الرفّ الساذج البديع، يحتضن (تاييس) و (مدام بوفاري) و (أفروديت) وهن في أثوابهن الغالية الفاتنة!

ففطنا بعد لأي إلى سرِّ غيبة صديقنا، وطفقا نطوف معه ذلك (المزار) المبتكر. . . حيث يعبق في جوه عطر الفن، وتشمله روح الجمال!

طابَع الفن والجمال يسم. حياة الدكتور بشر بأكملها، يسم شخصه ومسكنه وتأليفه وكل أسباب عيشه. فإذا ما قرأت له مقالاً رأيته ألبس الفكرة العميقة والرأي الناضج ألفاظاً ينتقيها في حكمة، وينسقها في صبر وجلد، ثم ينضدها تنضيد العقد على صدر الحسناء!

<<  <  ج:
ص:  >  >>