للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الفضيحة وافتضاح الجهل كما افتضح من هو أعلم منهم، من (أولئك) القوم، واتضح جهلهم، وظهرت أغراضهم. إن تاريخنا القوي حقاً العظيم الماجد هو التاريخ العلمي، تاريخ الرجال. وابدأ فيه بسيرة سيد البشر ومعلم الخير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي ألفت فيها المئات من الكتب، ثم عرج على سير الصحابة فاقرأها في الإصابة أو في أسد الغابة أو في الاستيعاب، ثم انظر العمل الذي قام به مؤرخو رجال الحديث، ومبلغ ما وصلوا إليه من الإحاطة والتدقيق والصدق، وانظر هل أفلت منهم خبر، أو خفيت عليهم حقيقة. وهل صنع علماء أمة كانت أو تكون كالذي صنعوا، أو تصوروا إمكان هذا الصنيع المعجز الهائل؟ لقد صنفوا في الرجال الكتب الجامعة، وافردوا الضعاف والمتروكين بالتأليف، ووضعوا الكتب في ضبط الأسماء وبيان ما تشابه منها وما اشتبه وبحثوا في تواريخ الوفاة، وحققوا الأسانيد. . . ثم انظر ما ألف من كتب لرجال في سائر العلوم والفنون، كطبقات الأطباء وأخبار الحكماء، والنحاة، والأدباء، وفي المذاهب كتاب السبكي الجليل القيم، طبقات الشافعية، والديباج في أعيان المذهب المالكي، وطبقات الحنابلة والحنفية، وما ألف منها في المدن كتاريخ بغداد الذي ترجم لكل من دخل بغداد فلم يبق ولم يذر، والكتاب الذي لم يؤلف في بابه مثله كتاب ابن عساكر العجيب الذي عجزت دمشق عن طبعه ونشره. . . وما ألف بحسب العصور، وعندنا سلسلة كاملة لأعيان كل عصر من العصر السابع إلى الثاني عشر الهجري، وما كان منها جامعاً كوفيات الأعيان الكتاب النفيس الممتاز، وغير ذلك مما يتعسر الإحاطة به، وتقصى خبره في مثل هذا المقام، وفي كل صفحة من هذه الكتب مبعث إلهام للأديب، وأصل قصة للكاتب، وكنز من كنوز العقل والقلب لا يفنى

ومعلمو التاريخ لا يدرون بهذه الكتب ولا يعرفونها، بل هم ينفِّرون منها على جهل بها، وينعتونها بالكتب الصفراء. وإذا عرفوا المشهور منها لم يعرفوا التفريق بين رواياته، ولا دراية لهم برجاله. وإذا وقع أحدهم على خبر في تاريخ الطبري أو ابن الأثير طار به فرحا، يحسبون أن كل ما بين دفتي الطبري في درجة واحدة من الصحة، مع أن الطبري يروي القوي الثابت من الأخبار وما دونه، وهو حين يذكر سند الرواية يسقط عن نفسه تبعتها. وعليك أنت أن تعرف السند الموثوق به من السند الواهي - ومن الرجال من هو

<<  <  ج:
ص:  >  >>