للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[العلم في روسيا]

للأستاذ خليل السالم

كان العالم في السنة الماضية يعجب ببسالة الروس واستماتتهم في الدفاع عن وطنهم؛ وهو اليوم يقف مشدوهاً أمام عظمة الجيش الروسي وقدرته على سحق قوى الألمان الهائلة وتدمير آلتهم الحربية الجبارة وإيقاع الهزائم المنكرة بهم في كل ميدان

ولنحاول رد تلك المقاومة الرائعة إلى أسبابها الأساسية وتفسير هذه الانتصارات الحاسمة، نجدنا مسوقين حتما إلى الحكم بأن انتشار الثقافة العلمية وتقدم معاهد العلم وتطبيق النواميس العلمية في دور الصناعة ووفرة الابتكار والاختراع كانت بين الأسباب القوية والعوامل الفعالة التي يسرت للجيوش الروسية أن تحرز هذا النصر الباهر وتطرد الغازي الغاشم من أراضيها

كان العلم في روسيا حتى ظهور النظام السوفيتي وتوليه الأمور زينة رسمية تنصيها الحكومة وتغدق عليها الأموال الطائلة دون أمل في الربح ودون تكليف العلماء جهداً مرهقاً لخدمة الناس ونفع المجتمع. وكانت البلاد منذ أيام بطرس الأكبر الذي أسس أكاديمية العلوم الروسية على النسق الفرنسي تعتمد في نشر النظريات العلمية الجديدة وشرحها على العلماء الذين يفدون من أوربا الغربية

فدعا بطرس الأكبر مثلاً دانيال برنيولي وليونارد يولر. وحذا خلفاؤه حذوه في استيفاد العلماء الموهوبين؛ إلا أن تخلف العامة وتكبيلهم بقيود الجهل لم يتيحا للثقافة العلمية أن تشيع وتزدهر. وقصرت أكاديمية العلوم في أداء واجباتها وتبليغ رسالتها فلم يكن على العضو الذي انتخب لمقدرته وكفاءته والشهادة له بالذكاء والنبوغ إلا أن يقبض الرواتب الباهظة ويتبع وحيه الخاص في البحث سواء كان مبتكراً مجدداً أو مزوقاً وجه المعرفة بشروح وذيول للنظريات العلمية الشائعة. فعجز العلم لذلك عن أن يغير من حياة الناس ويسمو بمستوى معيشتهم، ولم يظهر في سماء العلم إلا عدد ضئيل من النجوم المتألقة من أمثال مندلييف ولومونوسوف ولوباتشفسكي. . .

وبين عشية وضحاها أصبحت روسيا بلداً عامراً بالعلم والعلماء وركناً أساسياً في بناء العلم الخالد؛ فهي تقدم اليوم لفروع المعرفة أيادي بيضاء لا تقل أثراً عن غيرها من الأمم إن لم

<<  <  ج:
ص:  >  >>