للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الأولى، يمكن أن يقف عليها من يقرأ كتابه (عودة الروح)، وإلا فالضعف الجسدي كثيراً ما يكون سبب دفعة حيوية في الفكر، كما في (نيتشة) مثلاً

وليس بنا في هذا المقال القصير أم نقوم بدراسة جسدية ونفسية؛ ولكن حسبنا أن نشير إلى هذه الأسباب لتوضيح ما قلناه من أن طريقة توفيق في الإحساس والتفكير مردها إلى مزاجه الشخصي وتكوينه النفسي.

فالذين يشبهون هذا الفنان في مزاجه وتكوينه هم الذين سيكونون أتباعه وتلاميذه في هذه الحياة الفكرية الباطنة التي ترسم الشخوص رسماً فنياً خاصاً. ولا بد لكل فنان من قسط من هذه الحياة الباطنة ينقص أو يزيد. ولكن يبقى أن يوهب هؤلاء التلاميذ - كما وهب - أسلوباً قوياً فنياً في التعبير، وأداة فنية ناضجة في الحوار، ليكونوا تلاميذ حقيقيين. وهو سالم يوجد بعد، على الرغم من المقلدين الكثيرين في مصر وفي بلاد الشرق العربي الذين حسبوا الحوار هو كل موهبة توفيق الحكيم، وحسبوا استيحاء الأساطير هو كل ما يميزه بين الفنانين!

نعم إن الطاقة محدودة، وقد يأتي - في هذا المجال - من هو أكبر طاقة وأبعد غوراً من توفيق الحكيم؛ ولكن سيبقى له فضل السبق، وابتداع الطريقة وإكمال الأداة

في هذه الحدود نستطيع أن نقول: إن لتوفيق الحكيم مدرسة؛ ولكننا نعود فنرد إليه حقه كاملاً حين نثبت له النضوج الكامل في أسلوبه الفني عامة والقوة البارعة في حواره على وجه الخصوص. هنا موهبة متفردة لا شك فيها، مهما قيل في الطاقة التي يعمل بها وفي الموضعات والتي يتناولها وبعد فما العنوان الذي يمكن أن نضعه لتلك المدرسة أو لهذه الطريقة؟

هو عنوان (التنسيق الفني)

يقول توفيق الحكيم في إحدى رسائله إلى (أندريه) في كتابه (زهرة العمر)

(إن فن الإغريق هو تجميل الطبيعة إلى حد إشعارها بنقصها. . . لكأنهم يريدون أن يقولوا للطبيعة: انظري. . . كان ينبغي أن تصنعي هكذا!. . .)

ثم يقول: (إن فن مصر القديمة هو تحد صارخ للطبيعة؛ فكأنهم يقولون للطبيعة انظري. . لا شأن لنا بك ولا بمخلوقاتك، إننا نستطيع من مخيلتنا ومن تفكيرنا أن نخرج مخلوقات

<<  <  ج:
ص:  >  >>