للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

استتب الأمر للملك، ونظروا إلى استبداده نظرهم إلى نعمة هبطت عليهم من السماء.

وأثر هذه الحرب الأهلية المادي ليس بأقل سوءا من أثرها المعنوي، فقد دفعت الناس في طريق النفاق والخيانة والأثرة الجامحة، وكان من نتائجها أن يتهافت النبلاء المتكبرون على قدمي الوزير مازاران يرجون ويستعطفون في ذلة وخنوع

ولم تنتج هذه الحرب أثرا طيبا إلا في الأدب والفنون، وتعتبر نهايتها فاتحة العهد الأدبي الحافل الكبير الذي صقلت فيه العبقرية الفرنسية، وأصبح الأسلوب فيه عذبا نقيا، والتعبير لاذعا دقيقا. وكثير من الذين حملوا السيف وخاضوا غمار هذه الحرب شاهدوا صروحا أدبية خالدة، بعد أن لاحظوا أهواء الناس ورأوهم في ثوبهم الحقيقي. ومن هؤلاء هذا الكاتب الذي نتحدث عنه

وفي ٢١ أكتوبر عام ١٦٥٢ أصدر الملك لويس الرابع عشر العفو عن لاروشفوكو، وسمح له بالعودة إلى باريس، ولكنه لم يعد إليها إلا بعد وقت طويل قضاه في الريف هادئا يفكر في آماله الضائعة، وأحلامه المتداعية

الشيخ الفيلسوف

لما فشلت ثورة الأمراء واستتب الأمر للملك لويس الرابع عشر، عرف ضروب الأهواء التي تتلاعب بنفوسهم، واستغلها استغلال رجل قدير، وجاد على هؤلاء السادة العظماء بأنواع الإحسان الوفير حتى أحالهم إلى ندماء متواضعين، استكانت الأهواء الجامحة بعد انتصار الملكية، فأخلد الناس إلى السكينة، وعادت الحياة إلى مجراها النمطي، وبدأت النساء ينشدن في (الصالونات) أو بين جدران الأديرة ضروب الانفعال التي كن يجدنها في نكبات الحرب الأهلية. ولم تعد تفكر الطبقة العالمية إلا في قهر (الضجر) مرض الأغنياء الذين لا يعملون، الذي استحوذ عليها. يدلنا على ذلك قول مدام دي مننون: (إني عاجزة عن أن أبين مبلغ الضجر الذي يعذب العظماء الاغنياء، والمشقة التي يلاقونها في قضاء يومهم)

وفي ذلك الوقت عاد بيت رامبويية إلى فتح أبوابه، ولكنه لم يلق الإقبال الذي اعتاده قبل الحرب الأهلية، لأن ربة البيت المركيزة دي رامبويية كانت في الثانية والسبعين من عمرها، واضمحلت قواها الذهنية، وتفرق أثناء الاضطراب الذين كانوا يترددون عليه، ثم

<<  <  ج:
ص:  >  >>