للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

جنوني وهيام حق؟. . هل تولد فجأة ذاك اليوم الرهيب الذي لا ينسى؟ هذا بعيد. ففي مثل حالتي لا يأتي الحب فجأة؛ بل كيف أقول فجأة وقد ترعرعت عمرها السعيد البالغ ستة عشر عاماً بين يدي وفي متناول أنفاسي! إنما يمكن أن يقال إن بذرته ذرت في فؤادي منذ استوى العود الغض وارتوى بماء الشباب، وامتلأ الصدر والخدان بالأنوثة، وومض في العينيين بريق الفتنة والملاحة، فلم أعد أرى طفلة تلثغ باسمي أو تلهو بسلسلة ساعتي، ولكن شابة حسناء ريا الشباب ناضرة الحسن تنفث الفتنة والهيام. هنالك بهرني الحسن وملأني الإعجاب. وكنت كلما دب دبيب الفتنة في قلبي تعوذت بالله وأنكرت مشاعري. ثم جفلت من مداعبتها، فلم أعد أربت على خدها أو أعابث ذؤاباتها، وهمت في أجواء من الغموض واللهفة والشوق المكتوم والحيرة القاتلة والشغف والخوف، ولولا أني ممن يندر أن يفكروا في أنفسهم أو ينظروا في باطنهم لفطنت إلى حالي، ولكني رحت أقنع نفسي بأن ما انتابني من اضطراب ما هو إلا أثر من إعجابي بالأنوثة الناضجة يتحد في قلبي بحبي الطاهر القديم. هكذا خادعت نفسي. على أني لم ألبث أن صحت يوماً وقد بلغت بي الوحشة حد الجنون - وكانت غابت أسبوعاً في بيت جدها - (رباه إن الحياة لا طعم لها بدون فيفي واعتراني شجن وكمد ووجوم

وجاء يوم فرأيت قلبي على ضوء الشمس الساطع وبرح الخفاء، وكنت أعبر فناء البيت إلى الطريق، وكانت فيفي تلهو كمحبوب عادتها بركوب الدراجة في الفناء. فلما رأتني مقبلاً اتجهت نحوي بدراجتها في رشاقة حتى صارت على بعد أذرع مني ثم رفعت يمناها تحييني، فاختل توازنها، واضطربت بها الدراجة فهرعت نحوها حتى حاذيتها، فاعتمدت بيسراها على كتفي الأيسر متفادية السقوط، ونظرت إليها مؤنباً فطالعتني بعينين ضاحكتين، وقد شدت راحتها على كتفي وأنغرست ركبتها في قلبي ولم أسترد نظرتي فأدمت إليها النظر وقد لانت أساريري. ثم ما لبثت أن ابتلعني تيار عارم من الوجد والهيام فوددت بكل ما أوتيت من قوة وشغف لو ضممتها إلى قلبي. وجعل هذا القلب ينتفض كان ركبتها مفتاح كهربائي يسلط على شعافه تياراً عنيفاً هكذا انقطع الشك وبرح الخفاء. وبعد لحظات كنت ماضياً في طريقي وقد انشغلت عن الدنيا جميعاً، فلم أعد أشعر إلا بنفسي التي نبضت بحياة جديدة كدوامة ثائرة، فأثملني طرب دفين، ولكن لم يزايلني شعور بالتبعة

<<  <  ج:
ص:  >  >>